مشاهدة النسخة كاملة : خطب الجمع في مساجد الرحمن
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(ae لكل من دخل أرجو التكرم بالإجابة مع الشكر الجزيل
ماهو موضوع خطبة الشيخ الدكتور أسامة عبد الله خياط ..
إمام وخطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة لهذا اليوم الجمعة ؟؟؟
(ac (ac (ac
مع الشكر
allmasa
20-09-2002, 07:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليك ورحمة الله وبركاته
موضوع جميل وانا سأشارك به كل يوم جمعة ان شاء الله
ولكن بموضوعات الخطبة التي تتم عندنا في فلسطين
موضوع اليوم كان عن الموت وسكراته وحال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم احتضارة
والى اللقاء يوم الجمعة القادم
ارجوا باقي الاعضاء من باقي الدول المشاركة ويخبرونا عن موضوعات الخطب التي حصلت عندهم
والف تحية وشكر لك اختي فداء على هذا الموضوع الرائع
(bp
ضيف خفيف
20-09-2002, 11:04 PM
ذهبت اليوم الى منطقة جنوب السرة وهي تبعد تقريبا 10 كليو لمسجد الشيخ الدكتور طارق الطواري وكان الهدف من الذهاب الى خطبة أولا للأستماع والثاني لاستضافته في مسجدنا وكانت خطبته من أروع الخطبة وهي عن بداية العام الدراسي وماذا قدمنا لابنائنا من تعليم صحيح التي تبلغ عدد ساعتها حتى التخرج من الثانوية 17400 ساعة بعد هذه ماذا استفاد الطالب من هذه الساعات هل أصبح عالما بعدها أم اصبح يريد أن ينتظر الوظيفة أو التحاق بالجامعة ماذا علمنا أبنائنا لحب الله ورسوله هل المناهج التعليمية قدمت هذا لماذا الطلبة لا يحبون المدرسة ويضعون اللوم على المدرسين ولماذا المدرسين لا يدرسون الطلبة بأخلاص وكانت حقيقة مشاكل عالجها في خطبته وأستمتع في هذا الخطبة وبارك الله الشيخ يعجبني فيه أسلوبه القوي وكلماته الادبي المفهوم لدى العامة يعجبني فيه قوة شخصيته يعجبني فيه أنه رجل بمعنى الكلمة وأن أنصح أخوان وأخوات بالاستماع الى بعض أشرطته التي هي أكثرها من الخطب والاشراطة دائما التجدد في الموقع :
فهذا موقع التسجيلات للشيخ الدكتور طارق الطواري وبه خطبة الاسبوع الماضي وتتحدت عن بداية الفصل الدراسي الجديد :
http://www.dr-tariq.com/records.html
نسئل الله أن ينتفع به الاخوان والاخوات .
نسئل الله الهداية للجميع ،،،،
أختي الماسة :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك وجزاك الله خيراً على المبادرة بالرد ولك الشكر الجزيل .
وفكرتك بنقل مواضيع الخطب من كل بلد أروع من فكرتي وقد سبقتيني في الطرح حيث كنت مرجئة ذلك حتى سماع الردود من الجميع .
جعلني الله وإياك ممن يتعاونون على الخير
بارك الله فيك وسدد خطاك ,
وما أجمل أن نجلس ونتدارس موضوعات الخطباء على المنابر ؛ ولكن الأجمل منه أن نسمع ونعي ونتعلم ونطبق ما تعلمناه .
تقبلي تحياتي
(bp (bp (bp
أخي حياة بلا مشاكل :
جزاك الله خيراً ؛ لقد أجدت وأفدت .
وواضح من النقاط الأساسية التي كتبتها عن الخطبة أنها خطبة رائعة وشوقتنا لسماعها .
حفظ الله الشيخ , وجعل إطلالتك بهذا الموضوع في ميزان حسناتك .
(bh (bh (bh
لكن أين الباقين ؟
الذي لم يسمع خطبة الشيخ أسامة ستعاد اليوم بعد العصر في القناة السعودية الأولى , لا تفوتون الفرصة .
allmasa
21-09-2002, 03:22 PM
السلام عليكم
حسناً اتفقنا.............اذن موعدنا الجمعة القادمة ان شاء الله
وعليكم السلام ..
وهو كذلك ..
تحياتي
الموناليزا
21-09-2002, 09:10 PM
اما نحن كانت خطبة الجمعه للشيخ العلامه يوسف القرضاوي
وكان يتكلم بأن واجب ان نمنع الدول العربية المسلمه بان :mad: لا تسمح باستخدام اراضيها
ان تضرب اي دولة عربية مسلمه مهما كان الثمن ويقصد بها العراق طبعا . هذا كان مضمون الخطبه وكانت
خطبته واضحه جدا (bh
أختي المانوليزا : شكر الله لك سعيك ,
بارك الله فيك , وجزاك الله خيراً على الإجابة .
(bg (bg (bg
في انتظار الباقين
ابو محمد المدني
21-09-2002, 10:24 PM
عنوان موضوع اختنا فداء ملفت للنظر و لعل الكثيرين لم ينتبهوا إلى ذلك فعندما قرأته قلت في نفسي اللهم سلم سلم، هل مات أسامة أي المجاهد أسامة بن لادن؟
و بعد قراءة الموضوع أتضح لي أن المحتوى بعيد عما توقعته، فلا أدري هل حصل هذا مع غيري أم أن الواحد منا إذا كان باله مشغولاً بأمر معين فانه يوجه تفكيره؟ الله اعلم.
على أي حال سامحك الله يا فداء و بارك فيك.
الموناليزا
21-09-2002, 11:10 PM
اختي فداء : تسلمين على موضوعك الجميل ...
أخي الكريم ابو محمد المدني : فعلا انا معك عندما قرأت الموضوع اعتقدت شيء يخص الشيخ أسامه بن لادن ولكن الحمدلله جاءت العواقب سليمه وقرات موضوع اختي فداء ومن ثم اضفت ردي ...
allmasa
22-09-2002, 08:24 AM
السلام عليكم
انا لا لم يلتبس علي الامر............وعلى طول فكرت انها تتكلم عن خطبة وصلاة الجمعة خاصة ان يوم اضافة الموضوع كان جمعة
:rolleyes: (bp
أخي محمد المدني :
حينما كتبت الموضوع بل وأنا أستمع لخطبة الشيخ أسامة طرحت الفكرة في بالي وكان لابد من
استغلال الأحداث واسم الشيخ المجاهد أسامة ؛ فقد لدغت من هذا الجحر مرة وأخذت العبرة ؛ حيث أني كتبت
موضوعاً أراه غاية في الأهمية ولكن القراء كانوا قليلون والرد شحيحاً .
وقد نبهني المحرر جزاه الله خيراً بأن العنوان غير مثير وربما غير مناسب ( القلب المتآكل ) .
ولو لم أستخدم الإثارة لما دخل الكثير وأنت المثال الحي على ذلك , وقد نويت الاعتذار في بداية الموضوع
ولكن خشيت أن يترك الموضوع الأساس وتسرد قصة المفاجأة والمشاعر والمخاوف . (bn :D :D
كمافعلت . والجمع بينهما أفضل وأمتع .
ولكن أرجو معذرتي على ذلك .
شكراً ألف , وجزاكم الله خيراً .
تقبلوا عذري
ابو محمد المدني
22-09-2002, 01:48 PM
عذرك مقبول أختي فداء
الغريب انه ما احد انتبه !
بارك الله فيك و زادك على الخير حرصاً.
لسماع الكثير من المواد الصوتية من خطب و محاضرات و دروس ادعوك لزيارة موقع طريق الاسلام على الرابط:
http://www.islamway.com/index.php
محب المحترمين
22-09-2002, 04:56 PM
الأخت الفاضلة / فداء
أولاً : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ثانياً : جزاك الله خير وبارك الله فيكِ على هذه الفكرة الرائعة والمُفيدة بإذن الله .. نتابع معك جهودك المباركة إن شاء الله . الله يحفظك ويكثر من أمثالك .
(أخي الحبيب / أبو محمد المدني .. قلبي معك يا غالي) .
ثالثاً : لك مني كل التقدير والاحترام
أخوك / محب المحترمين
أخي محب المحترمين :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خيراً على التشجيع , ووفقني الله وإياك للخير وجعلني عند حسن الظن.
بارك الله فيك .
أخي أبو محمد المدني , شكراً لقبول العذر ,
الغريب انه ما احد انتبه ! .................... الله أعلم !
تجاهل أو تساهل أو ......... الله أعلم .
ضيف خفيف
22-09-2002, 09:03 PM
في مسجدنا ولا تعلمون ما حصل لدي مع الدكتور لقد كان حقيقة في قمة التواضع وكان درسه في مسجدنا من الدروس الرائعة وكما تحدث الاخوان عن الشيخ أسامة بن لادن حفظه الله فكان بمثل تفكير الذي شعروا به شعرت به ولكن بحسن نية وقد قلت أنه خرجت آخر خطبة له وعرضت على شبكة الانترنت ففرحت ولكن هذا الفرح ازداد عندما كان الموضوع أيضا رائع ولم كنت اعلم انه كان على كل شخص يتحدث عن خطبته ولكن كان المراد عن خطبة الشيخ أسامة أمام الحرم ولكن دعنا نرجع للموضوع فقد تحدث اليوم الشيخ طارق الطواري عن مواقف بطولية لموضوعا اخترنا له ولكن كانت المفاجأة الحقيقة لا تتخيلون فقد تحدث عن شخصيتان ولم يدركه الوقت لباقي الشخصيات فقد تحدث عن المجاد الشهيد بأذن الله خطاب رحمه الله وعن سيرته وبطولته وتحدث عن عمر المختار المجاهد الشجاع الذى افنى عمره بالجهاد في عشرين عاما وهويجاهد الطليان ولقد تحدث عن شخصياتهم الفذة ولم يدركه الوقت لانه كان سوف يتحدث عن عز الدين قسام المجاهد الفلسطيني الاروع وكان الحضور كثيف نسئل الله الاخلاص وأن أنصح أخوننا أن يستمع له لانها سوف تنقل على قناة حامل المسك وقناة الانصار وسوف تنقل في موقع الشيخ قريبا .
الأخ حياة بلا مشاكل :
الحمد لله أنت أيضاً من الذين أثارهم العنوان , ولم تذكر ذلك إلا الآن , هذا يعني أن الانتباه موجود ولكن الحرص موجود قبله .
نعم كان المطلوب خطبة أسامة لكن ذيلناه للفائدة , أما خطبة أسامة فلم يصلنا شيء عنها ....!!!
بارك الله فيك وجزاك الله خيراً .
اتحفتنا بحديثك عن الشيخ الطواري .
جعله الله في ميزان حسناتك.
allmasa
23-09-2002, 01:32 PM
السلام عليكم
اخي حياة بلا مشاكل
اود استفسر فقط
اين تبث قناة حامل المسك وقناة الانصار.هل نستطيع استقبالها من عندنا ام هي محطة ارضية؟
:confused:
بعد إذنك أخي حياة بلا مشاكل .... أختي الماسة قناة حامل المسك موقع على النت منتدى مفيد جداً تفضلي الرابط :
http://www.hamelalmisk.com
ضيف خفيف
23-09-2002, 02:29 PM
جزها الله خير أخت فداء على ما قدمت وسوف أشرح لكي الموضوع أختي بالتفصيل الممل :
أولا : اذا كنت تريدين قناة حامل المسم أو أي قناة فيجب ان يكون عندك برنامج البال توك وهو برنامج مجاني وهو عبارة قنوات محادثة ولكن بالصوت والصورة والكتابة فهناك غرف في برنامج البال توك مسمى بالجروبات وتجدين هنا في الجروبات قنوات مختلفة ومنها القناة العربية وهي الاكثر أطلاق على القنوات لاننا فالحين بكثرت الكلام وام الافعال فقليل سوف أورد لكي موقع يتحدث عن البال توك في التفصيل وفيه تقديرن تنزيل البرنامج منه فهذا هو الرابط باللغة العربية :
http://www.palarab.com/
وأم الغرف الاسلامية في البال توك فهي عبارة عن رموز وأورد لكي مشاركة الاخت النابلسية جزها الله الف خير وكما استفدت من هذا الرابط :
http://www.noo-problems.com/vb/showthread.php?s=&threadid=7737&highlight=%CD%C7%E3%E1+%C7%E1%E3%D3%
DF
أرجو الاستفادة من هذا الرابطين واذا لم ينزل برنامج البال توك لديك فأخبريني لأعطيك رابط مباشر للتحميل .
نسئل الله الهداية للجميع ،،،،
PEACE
23-09-2002, 05:46 PM
أنا أيضا كنت أتوقع خطبة لأسامة بن لادن موضة العصر الحديث و لكن بما أنها خطبة جمعة و كما ذكرتم كانت جميلة جدا فأرجو منكم أن تكتبوا نبذه عنها .
و لكم الأجر و الثواب .
أخي PEACE :
حياك الله , ولوأني لم أفهم مرادك بموضة العصر .
لاأدري أهي استهزاء بالشيخ , أم .... أم ....
على أي حال سأفترض حسن النية .
نعم كانت خطبة الجمعة للشيخ أسامة خياط رائعة جداً , وتوقيتها مناسب جداً . ولكن لم يتطرق أحد لذلك .
ومن هم خارج البلاد معذورون في عدم النقل والرد هنا مع أنهم هم الذين بادروا وعرفونا بخطب في بلادهم فجزاهم الله خيراً .
وكما رأيت لم يتحدث أحد من هنا عنها فإلى الآن المسألة فيها تردد ؛ أو ربما أهمل العنوان ,أو ربما لم تكن الخطبة قد نالت رضاهم ................... لاأدري لكن أعدك بإذن الله تعالى إذا لم يكتب أحد فسأكتب أنا . ولم يكن هدفي من الخطبة الكتابة ؛ ولكن أحببت إيجاد لغة حوار بيننا , نطرح الفكرة ونلتف حولها للمناقشة , لكشف المرئيات حول بعض المفاهيم ولكن .................
الحمد لله أسعدنا كل من خط بقلمه رداً على الموضوع ولهم الشكر كل الشكر على الإفادة .
ودعواتي لهم بالتوفيق والسداد .
PEACE
24-09-2002, 04:24 PM
أختي فداء
حشاي أن أستهزأ بإنسان أيا ما كان فما بالك بأحد الذين يقولون لا إله إلا الله ..
و لكن أنا أقصد أن من يريد أن يشد أنتباه أحد في هذا الزمن فعليه أن يقول
أسامة بن لادن قال
أو أسامة بن لادن سيفعل
عموما أنا في أنتظار مضمون الخطبة
و جزاك الله كل خير .
أخي PEACE :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته , لقد طال بنا الأمل , ولاجديد تحت ضوء الشمس ,
لولا طول الأمل لتغيرت أحوالنا كثيراً , لولا طول الأمل لما جلسنا الآن نقلب الصفحات , ولكنا في المحاريب نصلي وندعو , ونتذكر وننتظر الأنفاس الأخيرة لنشيعها , بالرضى ,
لعلي لا أطيل عليك ولكن وعدتك بنبذة قصيرة عن خطبة الشيخ أسامة :
لقد كانت خطبته حفظه الله عن آداب المتعلم , كيف يتأدب المتعلم مع معلمه ومؤدبه , وقد ذكر مقتطفات من أدب القدامى واحترامهم وإجلالهم للمعلمين والعلماء ؛ حتى أن أحدهم يحدث عن نفسه يقول والله ما استطعت يوماً أن تستقر عيني في عين أستاذي وآخر يقول كنت على حذر شديد أثناء تقليب الصفحات ( كي لاتحدث صوتاً ) هيبة للمعلم . وصور كثيرة لاهتمامهم بهذا .
خطبته كانت أكثر من رائعة ؛ ومناسبة لبداية السنة الدراسية , لعلها تكون تذكيراً وتنبيهاً للطلاب والطالبات والمتعلمين عموماً .
جعلنا الله وإياكم ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه .
PEACE
27-09-2002, 01:15 AM
جزاكي الله خيرا أخت فداء .
allmasa
27-09-2002, 02:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ها قد عدنا في جمعتنا المباركة
خطبة اليوم كانت عن عقاب الله لاقوام سلفت امثال قوم عاد وثمود وفرعون
وكيف ان الله قابل طغيانهم بالعقاب..ليكونوا عبرة لباقي البشر
وبشر الفلسطينين بأن النصر قادم ان شاء الله وان الله لن ينسانا
اما في مكة المكرمة فأعجبني موضوع اليسر الذي تكلم عنه خطيب وامام المسجد الاحرام
وكيف ان دين الاسلام دين يسر لا عسر
ووصى الناس بالتيسير على باقي البشر بتيسير الامور على العمال والموظفين والخدم والابناء
وشدد على ان من يسر على عبد في الدنيا يسر الله عليه في الاخرة ان شاء الله
ولكم سلامي وتحياتي
(bp
أختي الماسة :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ,
عوداً حميداً , بارك الله فيك وجزاك الله ألف ألف خير ,
وآآآآآآآآآآميييييييييييييييين لتحرير فلسطين ,
ونعم كانت خطبة الشيخ صالح بن حميد إمام وخطيب المسجد الحرام عن التيسير واليسر في الشريعة
وعدم التنطع , وقد ذكر أحكام الشريعة الميسرة حسب أحوال وقدرة الشخص فهناك رخص السفر ورخص المرض ........
وتطرق لمناسبة أحكام الشريعة لأحوال المرأة , وبين أن المقصود من العبادات الاستقامة وليس الإقصاء والإحصاء .......
ثم أكد حفظه الله على أهمية الرفق واللين في التعاملات ؛ في التعليم والدعوة وفي الوعظ والإرشاد ,
ودعا العلماء للتيسير في الفتاوى ومراعات أحوال المستفتي . من غير تبديل أو تحريف للشريعة........
ودعا عامةالناس للتيسير في المهر , وفي الدين , وسائر أحوال الموظفين .......
ثم أكد أيضاً على أن الدعوة إلى التشدد في الدين من قلة الفقه .
وفق الله الجميع .
وننتظر المزيد من موضوعات الخطب ,
ضيف خفيف
28-09-2002, 11:10 PM
خطبة الشيح/ أسامة خياط حفظه الله إمام الحرم التي كانت منذ أسبوعين كتابيا وصوتيا هذه أهداء لموضوعك وللمشاركين لهذا الموضوع بعد البحث عبر شبكة الانترنت :
ملخص الخطبة
1- الأدب خير ما يتحلى به طالب العلم. 2- عناية علماء الإسلام بالآداب والتربية. 3- بيان أهمية هذه القضية. 4- نماذج من أخلاق العلماء. 5- تدهور الآداب في هذا العصر. 6- ضرورة تصحيح النية والتربية الحسنة. 7- وصية جامعة من نفائس التراث التربوي.
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وراقبوه، فإن السعيد من اتقاه، وأخذ من دنياه لأخراه.
أيها المسلمون، خير ما تحلَّى به طلاّب العلم وأفضلُ ما ازدان به المتعلِّمون أدبٌ يحجز صاحبَه عن المهابط، ويصدّه من المثالب، ويرتفع به عن الدنايا، ويبلغ به من الكمالات النفسية والعقلية والعلمية كلَّ مبلغ، ويصيب به من التوفيق حظًّا موفوراً، ويجعل منه لبنةً صالحة في بناء كيان الأمة، وصورةً مثلى لطالب العلم المسلم الذي يطلب هذا العلمَ ابتغاءَ وجه ربه الأعلى، وليحظى بموعود الله على لسان رسول الله الوارد في قوله: ((ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة)) الحديث أخرجه مسلم في الصحيح وأبو داود والترمذي وابن ماجه في سننهم[1]، وكفى بالجنة غايةً وكفى بها أملاً.
وإن هذه المنزلة السامية والمقام العلي لآداب المتعلمين ـ يا عباد الله ـ كان الباعثَ لكوكبةٍ من العلماء وقادةِ الذكر في هذه الأمة المسلمة، كان الباعثَ لهم على كمال العناية بها، وتمام الحرص على تأصيلها وتفصيلها، وتوجيه الأنظار إليها ببيان جمال محاسنها وجلال مقاصدها، فوضعوا في سبيل تحقيق ذلك طائفةً من المؤلفات البديعة والمصنفات الجامعة النافعة، تبدَّى ذلك جلياً فيما كتبه الغزالي والنووي وابن خلدون وابن جماعة وابن القيم وابن حجر المكي وغيرهم ممن ولج هذا الباب التربوي الهام والمؤثِّر في تربية وتعليم الأجيال على تعاقب العصور.
وإن الأهمية الكبرى لهذه الآثار التربوية ـ يا عباد الله ـ لا ترجع إلى ما حوتْه من تأكيد وتأصيلٍ وبيان وتفصيل فحسب، بل أيضاً لما حظِيت به لدى جماهير المسلمين من عناية ظاهرة ورعاية بيّنة، تجلَّت في الحرص الدؤوب على اقتران العلم بالعمل، والقواعد بالسلوك، والتأصيل بالتطبيق، خشيةَ التردِّي في وهدة المقت الذي سبق عند الله، والذي ذكره سبحانه في قوله: يٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ [الصف:2، 3].
وبِذا أخذت هذه الآدابُ صفتَها الحيَّة الفاعلة المؤثِّرة في دنيا الواقع، مما كان له أبلغ الآثار وأوضحُ الأدلة على لزوم توثيق الروابط بين ركني العلم والعمل ببيان حسن العاقبة فيه، وجميل العائدة منه، وكريم الذخر به. وليس عجَباً إذاً أن يكون جنى هذا الغراس الطيب الزاكي متمثِّلاً في تلك النماذج المشرقة والأمثلة المضيئة التي تصوّر رفعةَ مكانة المعلِّمين، وسموّ آداب المتعلمين، فهذا الإمام الشافعي رحمه الله يخبر عن حاله مع شيخه الإمام مالك رحمه الله حين كان يقرأ الموطأ عليه قائلاً: "كنت أصفح ـ يعني أقلِّب ـ الورقةَ بين يدي مالك رحمه الله صفحاً دقيقاً هيبةً له لئلا يسمع وقعَها"، وهذا الربيع بن سليمان رحمه الله تلميذ الإمام الشافعي وأحد رواة مذهبه يقول: "والله ما اجترأتُ أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبة له"، وهذا الإمام الحافظ شعبة بن الحجاج يقول رحمه الله: "كنت إذا سمعت من الرجل الحديث كنت له عبدا ما دام حياً"، وهذا الإمام أحمد رحمه الله يقول لابن شيخه الإمام الشافعي رحمه الله يقول: "أبوك من الخمسة الذين أدعو لهم كل سحر"، قال: لم ذاك؟ قال أحمد: "إن الشافعي كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فانظر هل لهذيْن من خلَف"، وكان بعض السلف رحمه الله إذا ذهب إلى معلّمه تصدَّق بشيء ثم قال: "اللهم استُر عيبَ معلِّمي عني، ولا تُذهب بركةَ علمه مني".
وإنها ـ يا عباد الله ـ لصورٌ وضيئة ونماذج متألِّقة تربُو على العدِّ وتجلّ عن الحصر، فماذا بقي في ذاكرة الأجيال منها؟ وإلى ما انتهى الأمر بها في أعقاب الزمن؟ إن الخلل بيِّن، والقصور واضح، والتفريط ظاهر، ولا يصحُّ اعتذار أهل التفريط عن تفريطهم بما لا يغني عنهم شيئاً من المعاذير، فإن المبادئ هي المبادئ، وإن الثوابت هي الثوابت، وإن الآداب هي الآداب، والذين استمسكوا بها هم بَشَر مثلُنا، وأناس منا، لكنهم صدقوا الله فصدقهم، وأخلصوا له فاجتباهم، وعملوا بما علموا فأكرمهم واصطفاهم، وأبقى في العالمين جميلَ سيرتهم وطيب ذكراهم.
عباد الله، إن تصحيح النيات الذي هو قوام قبول الأعمال بتعاهد الإخلاص لله فيها، وإن الشفقة على المتعلمين والنظرَ إليهم نظرَ الأب الشفيق الناصح الرحيم الذي لا يدَّخر من نصح أبنائه شيئاً، بتعويدهم على محاسن الأخلاق، وتنفيرهم من مساوئها، بطريق التعريض مجتنبا التوبيخ والتقريع مهما كان ذلك ممكنا، مراعياً مداركهم وملكاتهم العقلية بعدم مخاطبتهم بما لا تبلغه عقولهم، ولا تحيط به أفهامهم، من مطابقة العلم العمل، حتى لا يكذب الفعل القول، كل أولئك مما تجب العناية به، وتجديد ما اندرس منه، وتذليل سبل المعونة عليه، أملاً في إحياء العمل به، والوفاء بحقوقه من آداب المعلمين والمتعلمين، وترسيخاً لقواعد البناء التربوي الإسلامي الذي هو أحد الركائز الأساسية في كيان الأمة، وأحد أهم عوامل رقيِّها وأسباب خيريتها التي كتبها الله لها، لتتبوَّأ المقام اللائق بها بين الأمم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يٰأَيُّهَا لَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى لْمَجَاٰلِسِ فَفْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ نشُزُواْ فَانشُزُواْ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجاـٰتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] أخرجه مسلم في الذكر (2699)، وأبو داود في العلم (3643)، والترمذي في العلم (2646)، وابن ماجه في المقدمة (223) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
الخطبة الثانية
الحمد لله الولي الحميد، أحمده سبحانه يهدي من يشاء ويفعل ما يريد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صاحب الأدب الحميد والخلق الرشيد، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه ذوي العقل الراشد والرأي السديد.
أما بعد: فيا عباد الله، في تراث المسلمين التربوي دررٌ ونفائسُ يجب الوقوف عليها، وتأمّل معانيها، وتدبّر مراميها، والسعي الدؤوب إلى العمل بما فيها من عبر ودروس، ومسالك ووسائل، وشواهد ونماذج لا تكاد تحصى.
ومن ذلك هذه الوصية الجامعة المروية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه والتي جاء فيها قوله: (إن من حق المعلم عليك أن تسلِّم على القوم عامة وتخصَّه بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرنَّ عنده بيدك، ولا تقصدنَّ بعينك غيره، ولا تقولنَّ: قال فلان خلافَ قولك، ولا تغتابنّ عنده أحداً، ولا تُسارَّ في مجلسه، ولا تأخذنَّ بثوبه، ولا تلحَّ عليه إذا كسل، ولا تشبعنّ من طول صحبته، فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء)[1].
وإنها لآداب جملية وخصال جليلة يبلغ المتأدبُ بها وبأمثالها أسمى المراتب وأعلى المنازل وأشرف المقامات، ويصل بها إلى ما يرجو من فلاح وصلاح وحسن مآب.
ألا فاتقوا الله عباد الله، واحرصوا على الاستمساك بكل أدب تصلون به إلى رضوان الله.
وصلوا وسلموا على إمام المتقين وخاتم النبيين ورحمة الله للعالمين، فقد أمرتم بذلك في كتاب الله المبين، حيث قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وملائكتهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ يأيها الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة...
--------------------------------------------------------------------------------
[1] أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (347).
وأما الرابط الصوتي فهو كالاتي :
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=15302&scholar_id=216&scholar_name=%CE%D8%C8+%C7%E1%CD%D1%E3%ED%E4+%C7%E 1%D4%D1%ED%DD%ED%E4&scholar_directory=haramain
نسئل الله الاخلاص في الاعمال
أخي حياة بلا مشاكل : كلل الله مسعاك بالخير والنجاح ,
بارك الله فيك وجزاك الله خيراً .
جعله الله في ميزان حسناتك .
وجعلني الله وإياك ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه .
ضيف خفيف
29-09-2002, 12:43 AM
وقلت في خاطري الاخت فداء زعلانه أننا لم نتكلم بموضوعها و كأننا أهملنها
ولكني قلت لماذا لا أفاجأها في هذا الرد ، واذا تريدين خطبة الشيخ بن حميد فسوف اسرد لكي هذه المادة ولكن غير متوفرة حتى الان لانها لم يصبح لها يوم .
فنسئل الله أن يوفقك بما يحب ويرضى وجعل أيضا هذا الاهتمام بهذا الموضوع في ميزان حسانتك ولقد عرفت الهدف من هذا الموضوع وهو الاستماع الى خطبة الجمعة والاستخراج منها الفوائد .
نسئل الله أن يخلص أعمالنا
وأهديك لك هذه المادة وهي مفاجأة أيضا :
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=8094&scholar_id=81&scholar_name=%D8%C7%D1%DE+%C7%E1%D8%E6%C7%D1%ED&scholar_directory=tawary
allmasa
04-10-2002, 07:41 PM
ي
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مازلنا نتواصل
اليوم موضوع الخطبة كان مستوحى من جو المناسبة التي نعيشها
الاسراء والمعراج
للاسف لم اسمعها من البداية............فقد تكلم الشيخ عن قصة الاسراء والمعراج
وما شاهده الرسول صلى الله عليه وسلام في السماوات السبع وما رآه في الجنة والنار وكيف فرضت الصلوات الخمس والتي كانت بالاصل خمسين ولكنها حولت الى خمس فقط
وتحدث عن ما شاهده الرسول من اهل النار
وقال:
لقد شاهده الرسول صلى الله عليه وسلام اناس يأكلون اللحم النتن المعفن النيء ويتركون الطيب الحلال..وعندما سأل عن ذلك...........قيل له
انه الرجل الذي ترك زوجته وذهب للاستمتاع مع امرأة اخرى بالحرام.........وانها الزوجة التي تركت زوجها وذهبت الى رجل غريب عنها.................اللهم عافنا يا رب
وشاهده الرسول صلى الله عليه وسلام اناس بطونهم كالبيوت لا يقدرون الحراك او النهوض...........وهم آكلي الربا والعياذ بالله
وشاهده الرسول صلى الله عليه وسلام ناس يرضخون رؤسهم بالصخر حتى تتكسر جماجمهم ثم تلتئم وبعدها تتكسر وهم من كانوا يسمعون الاذان ولا يلبون صوت النداء للصلاة.............اللهم عافنا يا رب
وتكلم عن حكمة الله تعالى في ان المعراج كان من الاقصى ليس من مكة ولم جعلت الرحلة من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى
حيث قال الشيخ........انما صار ذلك ليفلت انظار العالم الى عظم مكانة الاقصى فان الله قد جعل البركة في مكة اما الاقصى الذي باركنا حولة قد احاطه بالبركة من جميع الجهات......في الثمار والمياه والناس المرابطين في القدس...........
وتكلم عن شخصيات مرت بالقدس واالاقصى مثل صلاح الدين الايوبي الذي حررها من الصلبيين
وعمر بن الخطاب .
والى اللقاء في الجمعة القادمة
اين باقي الاعضاء..........ماذا كانت الخطبة في جده.....الرياض.......المغرب.....فاس..........سوريا ......لبنان.....الاسكندرية........
نحن في الانتظار
(bo (bp
وعليكم السلام أختي الماسة ورحمة الله وبركاته ,
بارك الله جهدك ومن حلل الجنة ألبسك ,
جزاك الله خيراً على هذا التواصل على الخير .
باختصار شديد : كانت خطبة الشيخ السديس بمكة المكرمة مبكية , مثيرة للشجون , فقد
كان يتحدث بحرقة عن أحوال أمتنا الراهنة , والمستقبلية , ومصير بيت المقدس ... الذي بدأيتناهشه
الأعداء , ويثرثرون حوله بكل وقاحة .
سأترك مجالاً لإكمال عناصر الخطبة لمن أراد وله الأجر والثواب بإذنه تعالى .
وإني بحق أنتظر من يفرحني بالرد والتفاعل معنا بشأن الخطب .
أما أنت أخي حياة بلا مشاكل فكانت مفاجأتك الأسبوع الماضي ساررررة جداً ,
أثلجت صدري , والكل فيهم الخير إنشاءالله , نريد حماس يا جماعة .
أدام الله علينا نعمة الإسلام وضللنا بضلاله الوارفة .
وأكرر النداء لأخوتنا من قطر , الإمارات , المغرب , ..................,..........,..........,......... ...
ضيف خفيف
09-10-2002, 10:58 PM
أهديك هذه الخطبة للشيخ عبدالرحمن السديس والتي كانت الاسبوع الماضي .
بعنوان:
المشروع الحضاري الإسلامي
ملخص الخطبة
1- الضرورة إلى المشروع الحضاري الإسلامي. 2- ضراوة الحرب على الإسلام. 3- شراسة الحملات الإعلامية. 4- تلبيس أعداء الإسلام وتدليسهم. 5- أهداف الحملات الإعلامية وأغراضها الدنيئة. 6- حتمية المواجهة. 7- ما ينبغي اتخاذه. 8- ملامح المشروع الحضاري الإسلامي ومعالمه وركائزه. 9- التحذير من بدع رجب.
الخطبة الأولى
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
أيها المسلمون، في عصر التحدِّي الحضاري ودوَّامة التحامل الإعلامي على هذا الدين الإسلامي تتعاظم حاجةُ الأمة الإسلامية إلى الاضطلاع بمهمَّة المشروع الحضاري الإسلامي، تقويماً للمسيرة، وتصحيحاً للرُّؤى، وتنسيقاً في الجهود والمواقف، وإعلاءً لمنظومة المُثُل والقيم، وإشاعةً للودِّ والتسامح والتراحم، وبثاً لروح التعاون والتصافي والتفاهم، وبالتالي ارتقاءً بالإنسانية وإسعاداً للبشرية.
معاشر المسلمين، واستقراءً لنصوص الوحي المطهَّر، واعتباراً بحوادث التأريخ، وتأمُّلاً في دنيا الواقع، يخرجُ الغيور المستبصر ويدرك المتابع المتأمِّل أن آليات الهجوم على الإسلام وتشويه حقائقه وطمس محاسنه تتنامى ولا تتناهى، وتتعاظم ولا تتناغم، وتكون أكثر خطورة وأشدَّ ضراوةًَ حينما تشعل الحرب الإعلامية فتيلَها، وتذكي الهجمة الدعائية أُوارَها حيث لم تعُد مقتصرةً على بعض الأقلام الآحادية المغرضة، بل تبنَّتها مراكزُ أبحاث ودراسات، وتلقَّفتها دوائر ومؤسَّسات، في ظاهرةٍ من التحامل المنظَّم والتخطيط المبرم، مما يستدعي من الأمة وقفةً جادة متأنِّية لدراسة أبعاد هذه الحملة ومراميها وأهدافها، ووضع البرامج والآليات العملية لمواجهتها والتصدِّي لها، ومن هنا جاءت الحاجة الملحَّة لتبنِّي الأمة للمشروع الحضاري الإسلامي، الذي ينبغي على كل ذي دين وغيرة أن يُسهم بما يستطيع لدعمه وتشجيعه، ولو بإعطاء صورة مشرقة عن الإسلام في حسن تعامله وتصرفاته, وضبط سلوكياته وأخلاقياته.
إخوة العقيدة، ولعل أهمَّ بواعث طرح هذا المشروع الحضاري تلك الحملاتُ الموتُورة التي تصوَّب سهامُها ضدَّ دين الأمة وقيمها وثوابتها وبلادها، تطاولت على مقام الربوبية والألوهية، ونالت من جناب صاحب الرسالة المصطفوية ـ بأبي هو وأمي ـ صلى الله عليه وسلم، وسخرت من الحدود الشرعية وطالبت بإلغائها، وهاجمت الحجاب وقضايا المرأة المسلمة، وحملت على مناهج التعليم الإسلامي، واتَّهمت المؤسسات الخيرية والإغاثية والإنسانية، وشوَّهت دورها الريادي الذي تقوم به عالمياً، وسلَّطت ألسنة حداداً وأبواقاً شداداً على بلاد الحرمين حرسها الله في أهمِّ جوانب كيانها ومكوِّنات وجودها، تشويهاً للحقائق، وتضخيماً للهنات والشقاشق، وما ذاك إلا لأنها محضن الإسلام، ومأرز الإيمان، ومتنزَّل القرآن، ولها المكانة الكبرى والقدح المعلَّى في تبني قضايا المسلمين والدفاع عن حقوقهم. والأدهى من ذلك الأساليبُ المنفِّرة التي تقوِّض دعائم السلام العالمي، وتخلخل ضمانات الأمن الدولي، وتُسهم في إضعاف فُرصِ التعايش بين الحضارات، وتدعم الصدامَ والصراع بين المؤسسات، وتغذِّي الإنسانية بالأحقاد، وتذكي لهجةَ الكراهية بين الشعوب، وتروِّج الأكاذيب والأراجيف والشنشنات الأخزمية، وكلُّ ذلك لن يضير هذا الدين بحمد الله، بل لقد كان من أسباب الإقبال عليه والقراءة عنه، كما أن هذه الافتراءات ستتحطم بإذن الله أمام صخرة تمسّك الأمة بثوابتها، وستتلاشى أمام سدِّها المنيع المتمثِّل في عدم اهتزاز قناعات الأمة بدينها، وتلاحم رعاتها ورعيَّتها، في مرحلة حرجة وفترة عصيبة تتطلَّب بُعدَ النظر وتغليبَ منطق العقل والحكمة، والإرجاءَ لصغار المصالح لئلا تفوت كبارُها، والأخذَ بأدنى المفاسد حتى لا تحصُل عظامُها، فالدين والأمة والمجتمع والبلاد مستهدفةٌ في أعزِّ مقوِّماتها، ولذلك فإن تبنِّي الأمة للمشروع الحضاري الإسلامي يحقق الحفاظ على ثوابتها وهويَّتها، ويوحِّد جهودها في مواجهة المخاطر، ويحفظها بإذن الله أن تُستدرج لمعارك خاسرة، أو أن يستثار ويُستفزَّ بعضُ أبنائها في أنماط هامشية، تُستجرّ الأمة من خلالها إلى ويلاتٍ من الفتن والمحن، وطوفانٍ من الرزايا لا يعلم عواقبها إلا الله. كما أن الحفاظ على جبهة الأمة الداخلية ووحدة صفِّها الأرضيةُ الصلبة التي ينطلق منها هذا المشروع الحضاري، ليتفيَّأ العالم ظلالَه خيراً وعطاءً، وسعادةً ونماءً، وأمناً وسلاماً، وتسامحاً ووئاماً، في بعد عن غوائر الشرور والعنف والإرهاب، ومسالك الظلم والإفساد والإرعاب.
إخوة الإيمان، ومما يؤكِّد أنه قد آن الأوان لتبنِّي الأمة لهذا المشروع الحضاري أن تلك الحملات المغرضة تقدَّم للعالم بقالب أخَّاذ، تغطّيه أصباغٌ خادعة، ومكاييج حضارية مصطنعة، لا يلبث قناعها أن يسقط، ليتبدَّى زيفُ الشعارات، وترنُّح هذه الحضارات، فقُدِّمت الحملات تحت شعار حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، ومن أجل الحرية والعدالة والمساواة والرخاء والانفتاح، وتخليص الإنسانية من الجمود والتخلف، والتقدم بها نحو حياة تسودها مقاييس التحديث والتقدم والحضارة، في حربِ مصطلحات خطيرة، يوشك أن تخدَع ببهرجها كثيراً من المنهزمين من أبناء هذه الأمة.
أمة الإسلام، لقد استهدفت هذه الحملاتُ الدعائية القضاءَ على الوجه الإسلامي المتألِّق، وتشويهَ صورته الوضاءة، والهجومَ على حضارتنا الإسلامية، وقيمنا الاجتماعية المحافِظة، في عولمةٍ مشبوهة، تنفث سمومها لتفرض أنماطاً من الهيمنة الفكرية والأخلاقية على الأمة الإسلامية، وتحمل أبعاداً عقدية خطيرة. ومن أسفٍ أن ينبري بعض المخدوعين من أدعياء الفكر والثقافة بأصواتٍ ببغوية ليستعديَ أصحابَ هذه الحملات المغرضة على أمته وتأريخه وبلاده، في تشويهٍ متعمَّد، وآخرون في تشويه غير متعمَّد، ممن يجهلون أو يتجاهلون حقيقة رسالة الإسلام الحضارية، فلا يحسنون عرضَه وتقديمَه للعالم، بجمالياته ومحاسنه وأخلاقياته، لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَى? مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ [الأنفال:42].
أمة الإسلام، إن سبيل المواجهة لهذه الحملات الإعلامية أضحى أمراً حتمياً على الغيورين، بعدما تبيَّن خطورةُ الأمر وأبعاد المؤامرة، وأن القوم يعدُّون لأبعاد تآمرية على أمتنا الإسلامية لا يمكن إغفالها أو تجاهلها، أو الاعتذار عنها وتبريرها، أو يظنَّ أن التنازلات والاستجابة لشدة ضغوط هذه الحملات ستثني أصحابَها عن تحقيق أحلامهم ضدَّ هذه الأمة. وإذا ما أخذنا شاهداً حياً على ذلك فإن قضية المسلمين الكبرى قضيةَ فلسطين المسلمة المجاهدة تأتي مثلاً ساخناً على الأطماع الدنيئة، لأصحاب هذه الحملات الدعائية العدوانية، حيث صُوِّرت المقاومة الشرعية والانتفاضة الجهادية على أنها عمليات إرهابية، واليوم يكاد أسفُنا لا ينقضي ونحن نرى ونسمع ما يتحدَّى مشاعرَ أكثر من مليار وربع مليار من المسلمين، ويمثِّل صدمةً عنيفة لهم، وذلك بقرار خطير غير مسبوق يسلب مدينة القدس عروبتها وإسلاميتَها، في تحدٍ للحقوق التأريخية والقرارات الدولية، مما يتطلَّب استنفاراً إسلامياً عاجلاً على كافة الصُعُد والمستويات، لمواجهة صهينة أولى القبلتين ومسرى سيد الثقلين صلى الله عليه وسلم ، أقر الله الأعين بفك أسره وتحريره.
ومن هنا فإن تبنِّي الأمة المشروع الحضاري سيُسهم بأفعال لا بردود أفعال إلى مواجهة هذه الحملة وأبعادها بالأساليب الحضارية الهادفة إلى تثبيت هوية الأمة وتفعيل دورها من حيث كونُها أمة الخيرية والرحمة والشهادة على العالمين، وإبراز دورها الحضاري، وحقِّها التأريخي، ووجهها المشرق، وتصحيح الصورة المغلوطة على الإسلام وأهله، وتوعية الأمة بخطورة الحملة ضدَّ دينها وثوابتها وبلادها ومقدساتها، والسعي في إصلاح أحوالها وتفادي أزماتها بتقوية عقيدتها بربها، والتلاحم الصادق بين قياداتها وشعوبها، والمطالبة بتجاوز خلافاتها الجانبية ومعاركها الوهمية، والتوحُّد في وجه الطوفان الكاسح الذي يسعى لاجتياح الجميع، وأن يتم تنسيق الجهود بسدِّ جميع الثغرات التي ينفذ منها المصطادون بالمياه العكرة. والحاجةُ ملحَّة لمقابلة الحملة بنفسِ وسائلها، وإلى وضع برنامج علمي إعلامي مدروس، يتَّسم بحسن العرض، وأسلوبِ الخطاب المتمثِّل في قول الحق تبارك وتعالى: وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83]، وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنُ [الإسراء:53]، وَجَـادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ [النحل125]، والحوارِ الحضاري للعالم بلغاته الحية، وتوضيح الحقائق أمامه، وبيان خطورة الحملات الظالمة، وما تجره من استعداء العالم، وإعلاءِ لهجة الحقد والكراهية والتمييز، وما تجره من شقاء على الإنسانية. والحق أن غياب الإعلام الإسلامي الهادف ومواكبة التطور التقاني، واستثمار القنوات الإعلامية الفضائية والشبكات المعلوماتية الإلكترونية كان من أكبر العوائق لوصول الكلمة الرصينة والحوار الهادف إلى العالم، فهل يعي رجال الإعلام والأعمالِ في الأمة حقيقة دورهم، ووجوب إسهامهم في هذا المشروع الحضاري دفاعاً عن دينهم وأمتهم وبلادهم؟! وهل يحسِن علماء الشريعة ودعاةُ الإسلام عرضَ ما لديهم من حقٍّ وثوابت، مرتبطاً بالمبادئ والغايات، والمصالح والقيم والأخلاقيات، والآداب والشرائع والجماليات، في تنسيقٍ للجهود وسلامة للصدور، وبعدٍ عن غوائل الشرور، ومراعاة للأولويات، وحسن تعامل مع المتغيرات المرتبطة بالوسائل والأساليب، حتى تقام الحجة، وتتضح المحجة، فالحق يعلو ولا يُعلى عليه.
وفي طلعة البدر ما يغنيك عن زُحَلِ
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الأرْضِ كَذالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ [الرعد17].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمد ، إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف:100].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
************************************************** *****
الخطبة الثانية
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، أحمدك ربي وأشكرك على إنعامك وإحسانك وتوفيقك وامتنانك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، بعثه بالحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، فإنها خير شعار، وأفضل دثار، وبها النجاة من سخط الجبار، ودخول الجنة دار القرار، وعليكم بالجماعة، فهي طريق الأخيار، وحاذروا مسالك الأشرار والفجار.
أيها الإخوة في الله، من ملامح هذا المشروع الحضاري ومعالمه وركائزه ليرسُم طريق الخلاص للعالم من الواقع البئيس الذي يعيشه أنه ربانيٌّ عالمي، وسطيُّ سلفي، أخلاقي إنساني حضاري، إيجابي شمولي واقعي، ترتبط الأصالة فيه بالمعاصرة، يلتزم المصداقية بلا تضخيم، والواقعية بلا انهزامية، والشفافية بلا تهريج، الإنصافُ رائده، والعدل حاديه، والتسامح أسلوبه وقالَبه، يعمل على حشذ الطاقات في الأمة لا على تبديدها، يسلك مسالكَ الإخلاص للخالق، والرفق والرحمة بالمخلوقين، يتَّسم بالعقل والتسامح والحكمة، ويحاذر الصلَف والعنف والتهوُّر والشطط، وبذلك تحقِّق أمتنا الريادةَ الحضارية، وتستعيد أمجادها التأريخية، وتتخلص من أزماتها الخانقة، وتصلُح أوضاعها المتردية بإذن الله.
أيها الإخوة في الله، ولعل أُولى الخطوات في ذلك الرجوع إلى الذات، ومحاسبة النفس، والوقوف طويلاً للمراجعات، تصحيحاً في المعتقد، وسموًّا في الخلق والسجايا، وسلامة في الاتباع، ومحاذرةً للابتداع، ومعالجةً لجوانب النقص التي دخلت على الأمة في عقيدتها ومنهجها، وأن تلتزم الأمة نورَ الوحيين، ومنهجَ القرون المفضلة، وأن لا تجعل من أيامٍ وليالٍ مخصوصةٍ مناسبات وعبادات لم يكن عليها سلف هذه الأمة رحمهم الله، كما يعتقده بعض الناس في شهر رجب وليلة السابع والعشرين منه، يقول الإمام الحافظ ابن حجر عليه رحمه الله: "لم يصحَّ في فضل شهر رجب ولا في ليلة معنية منه لا ليلة سبع وعشرين ولا غيرها حديثٌ صحيح يصلح للحجة، ولو صحَّ لم يجز تخصيصُها بعبادةٍ لم يكن عليها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولو كان خيراً لسبقونا إليه"، وبمثله قال جمع من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن رجب والشوكاني وآخرين.
فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، إنها فرصةٌ للحوار مع الذات، فهي البنية التحتية للحوار مع الآخر، وما لم تُصلح الأمة ما بينها وبين ربها وما لم تتصالح فئاتُها وفعالياتها على الكتاب والسنة لن تستطيع أن تتصالح مع الآخرين، فضلاً أن تقدم ذلك للعالم بأسره.
إن الفرصةَ متاحة للأمة في طرح ما لديها من عقيدة وموروث حضاري للعالم بأسره، ولا يُفتُّ في عضدها كثرةُ الفتن والابتلاءات، فهي الطريق إلى المعالي والمكرمات، وإن في طيات المحن لمنحًا، وفي ثنايا البلايا والرزايا منناً وعطاياً، فاللهَ الله في العمل الجاد، والجهد الفاعل البناء، ووضع آلياتٍ عملية ودراسات ومراكز أبحاث استراتيجية بعيدة المدى لمواجهة هذه الحملات المغرضة، وكان الله في عون العاملين المخلصين لدينهم وأمتهم ومجتمعهم وبلادهم، إنه جواد كريم.
إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بااللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88].
ألا وصلوا وسلموا ـ رحمكم الله ـ على الرحمة المهداة والنعمة المسداة نبيكم محمد بن عبد الله، فقد أمركم بذلك ربكم جل في علاه، فقال تعالى قولاً كريماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن آله الأطهار وصحابته الأبرار المهاجرين منهم والأنصار
وأهديك الرابط الصوتي لهذه الخطبة علما بأن لا يشتغل عندي وسوف أضيفة للفايدة:
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=16032&scholar_id=216&scholar_name=%CE%D8%C8+%C7%E1%CD%D1%E3%ED%E4+%C7%E 1%D4%D1%ED%DD%ED%E4&scholar_directory=haramain
allmasa
09-10-2002, 11:15 PM
السلام عليكم
بارك اله فيك اخي حياة بلا مشاكل
نقل موفق
ضيف خفيف
10-10-2002, 12:03 AM
ولكن هذه الخطبة ليست الاسبوع الماضي وأنما هي التي قبله ولذلك لتعذر الاتصال بينهم وبين أخواتهم هناك
وسوف أسرد لكي الخطبة التي في المسجد الاقصى وهي للشيخ محمد أحمد حسين وهي بعنوان :
العلم والدعوة والجهاد
ملخص الخطبة :
1- دخول الانتفاضة عامها الثالث. 2- انقلاب المفاهيم في ظل الهيمنة الأمريكية. 3- صمود أرض الإسراء أمام الجرائم اليهودية. 4- الحرب المعلنة على العراق وحلقة من حلقات الذل والمهانة التي تتعرض لها أمتنا. 5- لا عز للمسلمين إلا بالعودة إلى الإسلام وشرائعه وهديه.
الخطبة الأولى
عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم وطاعته، وأحذركم وإياي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله تعالى: مَّنْ عَمِلَ صَـالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـامٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46].
أما بعد، فيقول الله تعالى في سورة التوبة: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَواةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِى الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْء قَدِيرٌ [التوبة:38، 39].
أيها المسلمون، أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، يا أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحاب المسجد الأقصى الأسير، يا من اختصكم الله في الرباط في ديار الإسراء والمعراج، ها هي انتفاضة الأقصى تكمل عامها الثاني وتستشرف عامها الثالث، وقد اشتدت وطأة الاحتلال وزادت ممارساته ضد أبناء شعبنا العابد المرابط في محاولته البائسة للنيل من عزيمة هذا الشعب وكسر إرادته، لإخضاعه لمخططات الاحتلال وذل المحتلين. وقد جرب الاحتلال على شعبنا كل الممارسات الظالمة التي تجاوزت أبسط الحقوق الإنسانية التي كفلتها كل الشرائع السماوية والمواثيق والمعاهدات الدولية، ويجري هذا في زمن كثر الضجيج فيه حول حقوق الإنسان، وقد تفردت قوى الاستكبار العالمي وعلى رأسها أمريكا الظالمة في تصنيف الدول والشعوب والأشخاص وفق مصالحها وأهدافها الاستعمارية، فهذا زعيم إرهابي، وتلك دولة شريرة تصنف في محور الأشرار، وذاك شعب يحمي الإرهاب على حد زعمهم ويمارسه ضد المحتلين لأرضه، وفق منطق قلب حقائق الأشياء ويسميها بغير أسمائها، فغدت المقاومة المشروعة للاحتلال إرهاباً! والاستكانة للمحتلين سلاماً.
وأصبحت الضحية معتدية، والمعتدي مدافعاً عن نفسه، وأضحى المستوطن الغازي مواطناً، والمواطن الشرعي لاجئاً، وباتت الشرعية الدولية ومؤسساتها أداة لتحقيق أهداف القوى المتنفذة في هذا العالم.
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، في ظل هذه المعايير الظالمة هب شعبنا يدافع عن عقيدة أمته وأرضها وحقوقها وكبريائها أمام الاحتلال الذي يقوم بحملة مسعورة لفرض واقع جديد، فتهويد القدس وتغييب وجهها العربي وملامحها الإسلامية وشطب هويتها الإيمانية التي تربطها بمكة المكرمة من خلال معجزة الإسراء، فنبينا عليه أفضل الصلاة والسلام أُسري من المسجد الحرام على المسجد الأقصى وعرج إلى السماوات العلى من هذه الرحاب الطاهرة.
فكانت القدس ومسجدها الأقصى محور هذه المعجزة وموطن بيعة الأنبياء لرسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام، وهي بوابة الأرض إلى السماء ومهوى أفئدة المؤمنين يشدون رحالهم إلى مسجدها، ويوحدون صفهم للذود عنها إذا ما رامها غاز، أو طمع بها غاصب، ولحكمة أرادها الله كانت القدس مؤشراً على قوة المسلمين.
أيها المسلمون، يا أبناء ديار الإسراء والمعراج، خلال العامين الماضيين من عمر انتفاضة الأقصى مارس الاحتلال وما يزال يمارس أبشع أساليب القهر والعقوبات الجماعية ضد أبناء شعبنا الفلسطيني من قتل واعتقال واغتيال وفرض للحصار وتقطيع أوصال الوطن وعزل المدن عن محيطها الريفي ومنع التجول على المواطنين ومحاربتهم في لقمة عيشهم وتضييق سبل الحياة عليهم بتجريف الأراضي الزراعية وقطع مئات الآلاف من الأشجار المثمرة وتدمير المصانع وهدم البيوت وتشريد سكانها، تحت ذرائع الأمن الواهية، ومنع الطواقم الطبية من القيام بواجبها في إسعاف الجرحى والمصابين وتركهم ينـزفون حتى الموت، كما حصل أخيراً في مجزرة حي الزيتون في غزة وغيرها من المجازر الكثيرة التي اقترفها الاحتلال ضد الأبرياء من أبناء هذا الشعب على امتداد ساحة الوطن تحت سمع وبصر العالم بأسره.
بل لقد استهدف الاحتلال بعض هذه الطواقم الطبية، فقضى كثير من أفرادها شهداء أثناء تأدية الواجب، لينضموا إلى عشرات الألوف من الشهداء والجرحى والمعتقلين من أبناء هذا الوطن الذين قدموا من دمائهم ومهجهم أسمى التضحيات، نيابة عن أمة تخاذلت عن نصرة الحق وراح حكامها يستجدون حلول قضاياها من القوى الطامعة بأرض الإسلام والمسلمين.
وصدق الله العظيم حيث يقول: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى? نَعْلَمَ الْمُجَـاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّـابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَـارَكُمْ [محمد:31]، فرحمة الله على شهدائنا الأبرار وأسرانا البواسل الذين سطّروا بدمائهم وأرواحهم سفر الكرامة لشعبنا وأمتنا، وأضاؤوا مصباح الحرية في ليل الظلم والظلام الذي يخيم على عالمنا اليوم، فمزيداً من الصبر والثبات يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، فإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسراً ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200].
واسألوا الله منازل الشهداء بقلب خاشع، ولسان صادق، ويقين لا يخالطه الشك ((من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه))[1] وعن سعيد بن زيد رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد))[2] أو كما قال فيا فوز المستغفرين، استغفروا الله وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
------------------------
[1] رواه أبو يعلى في مسنده منت حديث أنس، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة(2556).
[2] رواه الترمذي في كتاب الديات ح(1421)، وصححه الألباني.
الخطبة الثانية
الحمد لله الهادي إلى الصراط المستقيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن اهتدى بهديهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
وبعد، أيها المسلمون يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، إن الصمود البطولي لأبناء شعبنا وإصرار شعبنا على التمسك بحقوقه الشرعية في أرضه ووطنه وعدم المساومة على قضيته مهما بلغت التضحيات أفشل هذه الحرب العدوانية التي يشنها الاحتلال بترسانته العسكرية ضد أبناء شعبنا بهدف بسط السيطرة على الأرض الفلسطينية وتحويلها إلى مستوطنات ومعسكرات ومحميات وإنشاء الأسوار الأمنية لحماية المحتلين على حساب أمن وحرية شعبنا الذي يئس العدو من كسر إرادته واستسلامه، وفي هذا السياق جاءت الاجتياحات للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية وما يرافق هذه الاجتياحات من خراب وتدمير للبنية التحتية والتقتيل والترويع للمواطنين للوصول إلى حسم عسكري لمعركة الحرية والتحرير التي يرفع لواءها شعب مرابط بطل، رفض الذل والخنوع مهما اشتد الحصار عليه وعلى أماكن العبادة، وستبقى ذرية المسلمين تغدو إلى المسجد رغم كل الحواجز والعوائق.
ولله در القائل:
لا تخشى من يخشاك أيها البطل ****** في كفك الموت بل في كفك الأمل
أيها المسلمون، في الوقت الذي تسلب فيه شعوب إسلامية كثيرة أمنها واستقرارها كما هو الحال في فلسطين وأفغانستان وكشمير والشيشان، تعد قوى الاستعمار الجديد نفسها للانقضاض على ديار الإسلام والمسلمين تحت ذريعة تحقيق الأمن لشعوب العالم وحمايته من أسلحة الدمار الشامل، هذه الأسلحة التي تمتلكها قوى الاستكبار العالمي وتهدد باستخدامها ولا تمتلكها شعوب العالم الإسلامي، فهذه طبول الحرب تقرع من جديد ضد العراق لهدف وهو السيطرة على الأمة الإسلامية ورسم خريطة ديارها وفق مصالح الكافر المستعمر.
فهلا أفاقت أمتنا من سباتها لترى الأخطار المحدقة بدينها وحضارتها وشعوبها ووجودها، فتأخذ زمام المبادرة نحو توحيد صفوفها وجمع كلمتها وفق تعاليم دينها الحنيف وهدي نبيها الكريم عليه أفضل السلام وأتم التسليم، فنحن أمة لا عزة لنا إلا بالإسلام والعودة الصادقة لتحكيمه والاحتكام إلى شريعته الغرَّاء، التي أنقذت البشرية من الظلمات إلى النور، وصانت عزة الإسلام والمسلمين، ووفرت الأمن والكرامة لبني الإنسان، فهلا أخذ حكام الأمة موقفاً حازماً لوقف العدوان على الشعوب الإسلامية باستدعاء سفرائهم لدى الدول التي تباشر العدوان أو تعد له على أي شعب من شعوب الأمة، وهذا أضعف الإيمان، أو تداعى حكام الأمة لاستخدام طاقاتها، وهي تمتلك طاقات هائلة للضغط على المعتدين أو من يبتغون العدوان على أي شعب أو بلد عربي أو إسلامي، ولتكن نار الحق التي أشعلها شعبنا المرابط دفاعاً عن عزة الأمة وكرامتها ومقدساتها نبراساً يضيء السبيل لشعوب الأمة لرفع العدوان ومقارعة المعتدين إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ [الحج:40].
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأرجو أخت الماسة المناضلة أن يحوز على رضائك .
نسئل الله الاخلاص في الاعمال .
راااااائع أخي حياة بلا مشاكل ,
الله يجزاك الجنة , أشكر لك جهدك واهتمامك ,
جعله الله في موازين حسناتك , آاامين .
ضيف خفيف
10-10-2002, 05:12 PM
اللهم أمين يا أختي فداء وأنت كذلك ولجميع المسلمين .
وأرجو تثبيت الموضوع في هذه الصفحة وأختي فداء لو تسمحين أن تغيرين عنوان الصفحة وأقترح لك هذا الاسم وهذا الشيء راجع لك ((خطب الجمع في مساجد الرحمن)) .
allmasa
10-10-2002, 06:59 PM
السلام عليكم
نعم ثبتوا الموضوع لو سمحتواا
لقد توافقت الأفكار والله كنت أفكر اليوم في العنوان .
اقتراح مقبول جداً موافقة عليه . الله يجزاك الجنة ,
ونعم ياليت يثبت الموضوع للفائدة ,
allmasa
13-10-2002, 04:03 PM
السلام عليكم
خطبة اليوم الجمعة الموافق 11-10-2002 كانت عن الفتنة
فكلنا سمع الاخبار الاسبوع الماضي وعن النزاع الذي حصل بين الاحزاب الفلسطينية حماس والسلطو وما ادى ذلك الة العراتك حتى باطلاق العيارات النارية
فهبت ائمة المساجد ورجال الدعاة الى وعي الناس والقادة ورؤساء الاحزاب انه كفانا سخرية واستهزاءا بانفسنا فلا يعق ان يكونوا اليهود علينا لا يكفي وانما ايضا نحن على انفسنا
جد كانت خطبة رائعة ولكم تأثرنا نحن الشعب لما حصل بين الاحزاب وتألمنا كثيرا
واكد الشيخ ان ما حصل هو ما تتمناه اسرائيلب لذلك علينا ان لا نشفي غليل اعدائنا حتى لو كان "معنا حق"
وسلامتكوا
الله يسلمك لنا يا الماسة , وتعيشي وتكتبي لنا .
الله يجزاك الجنة . ويوفقك دنيا وآخرة .
في انتظار المزيد من المشاركات من الجميع عن خطب الجمع , في أي مسجد كان .
ضيف خفيف
13-10-2002, 10:40 PM
الصفحة للفائدة وأما الروابط فأما أول رابط فهو رابط خطبة المسجد الحرام للشيخ اسامة الخياط وهي بعنوان
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=16351&scholar_id=216&scholar_name=%CE%D8%C8+%C7%E1%CD%D1%E3%ED%E4+%C7%E 1%D4%D1%ED%DD%ED%E4&scholar_directory=haramain
وأما الرابط الاخر فهو للمسجد النبوي للشيخ علي بن عبدالرحمن الحذيفي وكانت خطبته بعنوان أنا عرضنا الامانة :
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=16424&scholar_id=216&scholar_name=%CE%D8%C8+%C7%E1%CD%D1%E3%ED%E4+%C7%E 1%D4%D1%ED%DD%ED%E4&scholar_directory=haramain
وأما بالنسبة لخطبة المسجد الاقصى فهي ليست متوفرة الان . والبحث جاري فيها .
وأما بالنسبة لخطبة دولة الكويت فهي للشيخ الدكتور طارق الطواري وهي بعنوان الاسراء والمعراج أسرار واحكام وهذا رابط للتحميل فأنتظرت فقط 15 دقيقة الى 20 دقيقة :
http://www.dr-tariq.com/images/tariq.gif
وأما المفجأة الكبرى فسوف أجعلها هدية للمنتدى لانها هذا الموضوع عبارة عن محاضرة :
أخي حياة بلا مشاكل :
الله يجزاك الجنة , ويبارك جهودك .
رابط الشيخ الطواري ما يشتغل , الاثنان لايعملان .
ضيف خفيف
13-10-2002, 11:55 PM
عفوا أختي فداء والله أن دخت بالتصليح والتعديل وأما رابط الشيخ طارق فما عليك الا أن تدخلي على موقعه الرئيسي . الذي هو
http://www.dr-tariq.com/index.html
والمحاضرة ليست عن الاسراء والمعراج ولكن بعنوان الخطبة الاخيرة وسوف أسجل رابطها اذا اصبح له رابط منفرد .
وسوف أعيد الرابطان مرة أخرى : فهذا رابط خطبة المسجد الحرام :
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=16351&scholar_id=216&scholar_name=%CE%D8%C8+%C7%E1%CD%D1%E3%ED%E4+%C7%E 1%D4%D1%ED%DD%ED%E4&scholar_directory=haramain
وهذا رابط خطبة مسجد النبوي :
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=16424&scholar_id=216&scholar_name=%CE%D8%C8+%C7%E1%CD%D1%E3%ED%E4+%C7%E 1%D4%D1%ED%DD%ED%E4&scholar_directory=haramain
ضيف خفيف
15-10-2002, 12:35 AM
أولا : خطبة المسجد الحرام وكان الخطيب الشيخ /// أسامة الخياط وكانت خطبته بعنوان الخشية من الله تعالى.
ملخص الخطبة
1- الغفلة عن أسس الاعتقاد وأصول التوحيد. 2- الخشية من الله صفة الملائكة والنبيين وعباد الله الصالحين. 3- لا ينبغي الخشية إلا من الله تعالى. 4- بطلان مقولة: "أخاف الله وأخاف ممن لا يخاف الله". 5- السبيل إلى كفاية الله تعالى. 6- ثمار الخشية من الله. 7- العلم من أسباب الخشية من الله.
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه، فيجزي كل نفس بما كسبت، فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:7، 8].
أيها المسلمون، في غمرة الإغراق في الماديات والانصراف إليها والاشتغال بها ينسى المرءُ ما لا يصحّ له نسيانُه، ويغفل عما لا تجوز له الغفلةُ عنه، من أسس الاعتقاد وأصول التوحيد وقواعد الإيمان، فإذا به حين تُحدِق به المخاطر وتطلُّ المحن وتُرتَقَب الخطورة قد ملك عليه أمرَه وأذهله عن نفسه خوفٌ يصرفه عن السعي فيما يصلح شأنه، وخشيةٌ من مستقبلٍ لا يدري ما هو مخبُوء له فيه، وتوجّسٌ من آتٍ لا يتبيّن وجهَه، ولا يتحقَّق صورتَه، ولا يدرك عاقبته، فينتهي به الأمر إلى الخشية ممن لا تصحُّ الخشية منه، وإلى الخوف ممن لا يجور الخوفُ منه، وهل يصح أن ينسى المؤمن توحيده لله وإيمانه؟! وكيف ينسى ذلك وهو يتلو كتاب ربه بالغداة والعشي فيجد أنه سبحانه بيّن فيه هذا التوحيد وحسم كلَّ موادِّ الإشراك به، بأن أمره أن لا يخاف أحداً إلا الله، وأن لا يرجوَ سواه، فقال عز وجل: إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَـابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِـئَايَـاتِى ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَـافِرُونَ [المائدة:44]، وقال عز شانه: إِنَّمَا ذالِكُمُ الشَّيْطَـانُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، أي: يخوِّفكم بأوليائه كما هو قول الجمهور في معنى الآية.
ولما كانت هذه الخشية من أعلى المقامات وأشرفها وأسمى الصفات وأرفعها فليس عجباً أن تكون صفةَ الملائكة المقرَّبين الذين قال الله فيهم: يَخَـ?فُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:50]، وأن تكون أيضاً صفةَ النبيين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين حيث قال سبحانه في شأنهم: الَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالـاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً [الأحزاب:39]، وهي أيضاً مما اتصف به عُمَّار مساجد الله الذين قال الله فيهم: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءاتَى الزَّكَوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18].
عباد الله، إن الخشيةَ لا تكون إلا من الله وحده دون سواه؛ لأنه سبحانه المدبِّر لأمور المخلوقات كلِّها، وهو الحيُّ الذي لا يموت، القيُّوم الذي تقوم به الخلائق كلُّها وتفتقر إليه، أما غيره فهو عاجز فانٍ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، قلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبه كيف يشاء، كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعاً[1]، فجميع الخلائق ليسوا في الحقيقة غيرَ وسائط لإيصال ما قدَّره الله من أقدار، يبيِّن ذلك أوضحَ بيان قولُ النبي في وصيَّته المشهورة لابن عمه عبد الله بن العباس رضي الله عنهما: ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف)) أخرجه أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه واللفظ له، والحاكم في مستدركه بإسناد صحيح[2].
وبذلك يُعلم خطأُ قول من يقول: إنه يخاف الله ويخاف أيضاً من لا يخاف الله، فإن هذا قولٌ باطل لا يجوز كما بيَّنه أهلُ العلم، بل على العبد أن يخاف الله وحده، وأما من لا يخاف الله فإنه أذلّ من أن يُخشى، وهو ظالم من أولياء الشيطان، والخوف منه قد نهى الله عنه، وأما الخشية مما قد يصدُر عنه من أذى فإنه لا يكون إلا بتسليط الله له، وإذا أراد الله دفعَ شرِّه دفَعَه؛ لأن الأمر كلَّه له سبحانه، وإنما سُلِّط على العبد بما اجترحه من السيئات، فإذا خشي العبد ربه كمال الخشية واتقاه وتوكَّل عليه وأناب إليه واستغفره كفاه شرَّ كلِّ ذي شر، ولم يسلِّط عليه أحداً، فإنه سبحانه قال: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3]، وقال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33].
ألا وإن ثمارَ هذه الخشية بيِّنة، وإن آثارها ظاهرة، فإنها باعث على إخلاص العمل لله تعالى والاستدامة عليه، وطريقٌ إلى العزَّة التي كتبها الله لعباده المؤمنين، وسبيلٌ إلى صيانة النفس عن الذل، وداع إلى التحلي بمحاسن الأخلاق والنفرة من مساوئها، وسببٌ للسعادة في الدارين، وقائدٌ إلى الأمن من الفزع الأكبر وإلى الفوز بالجنة والنجاة من النار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء وَاتَّبَعُواْ رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173، 174].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
[1] مسلم في كتاب القدر (2654).
[2] أخرجه أحمد (4/409-410) [2669]، والترمذي في صفة القيامة (2516) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم (3/623)، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/460-461): "روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة.. وأصح الطرق الطريق التي خرجها الترمذي"، وصححه الألباني في صحيح السنن (2043).
*************************
الخطبة الثانية
الحمد لله وليِّ الصالحين، أحمده سبحانه يحبّ من عباده المتوكلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، إمام المتقين وخاتم النبيين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله، إن في قول الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [فاطر:28] دلالةً ظاهرة على أثر العلم بالله في بعث الخشية منه سبحانه، فكلما كان المرء أعلم بالله كان أعظم خشيةً له، وبذا يستبين أثرُ العلم في تربية الخشية، مما يتطلَّب تمامَ العناية بهذا العلم، ويقتضي كمالَ الرعاية وشدةَ الحرص عليه ودوامَ السعي إلى نشره والدعوة إليه.
ألا فاتقوا الله عباد الله، وصلوا وسلموا على النبي المصطفى والرسول المجتبى فقد أمركم بذلك الرب جل وعلا فقال قولاً كريماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
ضيف خفيف
15-10-2002, 01:03 AM
وكان الشيخ الذي يخطب الشيخ على عبدالرحمن الحذيفي وكانت بعنوان عظم الامانة :
ملخص الخطبة
1- إشفاق السموات والأرض والجبال من حمل الأمانة. 2- بيان الأمانة. 3- أهمية الأمانة والتحذير من تضييعها. 4- عظم ثواب المحافظ على الأمانة. 5- مفاسد تضييع الأمانة. 6- أمانة الوظيفة والعمل. 7- أمانة الودائع.
الخطبة الأولى
أما بعد: فيقول الله تبارك وتعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَـواتِ والأرْضِ والْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا لإِنْسَـانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً لّيُعَذّبَ اللَّهُ الْمُنَـافِقِينَ وَالْمُنَـافِقَـاتِ وَالْمُشْرِكِينَ والْمُشْرِكَـاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً [الأحزاب:72، 73].
إن حِملاً ثقيلاً وواجبًا كبيرا وأمرا خطيرا عُرض على الكون سمائه وأرضه وجباله، فوجلت من حمله، وأبت من القيام به، خوفاً من عذاب الله تعالى، وعُرضت هذه الأمانة على آدم عليه السلام، فحملها واستقلّ بها، إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً أي: الإنسان المفرّط المضيّع للأمانة هو الظلوم الجهول، لا آدم عليه السلام، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (الأمانة الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال، إن أدَّوها أثابهم، وإن ضيّعوها عذبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا منه من غير معصية، ولكن تعظيماً لدين الله تعالى)[1]، وقال الحسن البصري رحمه الله: "عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زُينت بالنجوم وحملةِ العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنتِ جُزيتِ، وإن أسأتِ عُوقبتِ، قالت: لا، ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد التي شُدّت بالأوتاد وذُلِّلت بالمهاد، قال: فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنتِ جُزيتِ، وإن أسأتِ عوقبتِ، قالت: لا، ثم عرضها على الجبال فأبت"[2].
الأمانة ـ يا عباد الله ـ هي التكاليف الشرعية، هي حقوق الله وحقوق العباد، فمن أداها فله الثواب، ومن ضيَّعها فعليه العقاب، كما قال تعالى في آخر الآية: لّيُعَذّبَ اللَّهُ الْمُنَـافِقِينَ وَ?لْمُنَـافِقَـاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَـاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً، فقد روى أحمد والبيهقي وابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة) وأشياء عدّدها، (وأشدّ من ذلك الودائع)[3]، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: (والغسل من الجنابة أمانة)[4].
فمن اتَّصف بكمال الأمانة فقد استكمل الدين، ومن فقد صفة الأمانة فقد نبذ الدين كلَّه، كما روى الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((لا إيمان لمن لا أمانة له))[5]، وروى الإمام أحمد والبزار والطبراني من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له))[6]، ولهذا كانت الأمانة صفةَ المرسلين والمقربين، قال تعالى عن نوح وهود وصالح عليهم السلام: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ، فَاتَّقُواْاللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:107، 108].
وكلما انتُقصت الأمانة نقصت شعب الإيمان لما روى مسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ـ أي: في وسطها ـ، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ((ينام الرجل النومة، فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظلّ أثرها مثل الوكت، ثم ينام الرجل، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك، فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء))، ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله، ((فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحدٌ يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، وحتى يقال للرجل: ما أظرفه، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان))[7]، والظاهر أن الرجل إذا تعمّد تضييع الأمانة بالتساهل في الفرائض وواجبات الدين وبالخيانة في حقوق العباد يعاقب بعد ذلك بقبض الأمانة من قلبه، وينزّه الله تعالى أن يقبض الأمانة من قلب أحد من غير سبب من العبد، ومن غير استخفاف منه بواجبات الدين وحقوق العباد، كما قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَـاسِقِينَ [الصف:5]. وآخر الحديث يدل على أن الأمانة هي الإيمان، وهي الدين وواجباته، فالتوحيد أمانة، والصلاة أمانة، والزكاة أمانة، والصيام أمانة، والحج أمانة، وصلة الرحم أمانة، والأمر بالمعروف أمانة، والنهي عن المنكر أمانة، والمال أمانة فلا تستعن به على المعصية، والعين أمانة فلا تنظر بها إلى ما حرّم الله، واليد أمانة، والفرج أمانة، والبطن أمانة فلا تأكل ما لا يحل لك، والأولاد عندك أمانة فلا تضيّع تربيتهم الصالحة، والزوجات عند الرجال أمانة فلا تضيّع حقوقهن، وحقوق الأزواج على النساء أمانة، وحقوق العباد المادية والمعنوية أمانة فلا تُنتقَص.
وقد وعد الله على أداء الأمانات والقيام بحقوقها أعظمَ الثواب فقال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَـانَـاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَواتِهِمْ يُحَـافِظُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ [المؤمنون:8-11]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال: ((اكفلوا لي بستٍّ أكفل لكم الجنة))، قلت: ما هن يا رسول الله؟ قال: ((الصلاة والزكاة والأمانة والفرج والبطن واللسان)) رواه الطبراني[8]، قال المنذري: "بإسناد لا بأس به"[9].
والتفريط في الأمانات والتضييع لواجبات الدين يورث الخلل والفساد في أحوال الناس، ويجعل الحياة مرّة المذاق، ويقطّع أواصر المجتمع، ويعرّض المصالح الخاصة والعامة للخطر والهدر، ويُفسد المفاهيمَ والموازين، ويؤذن بخراب الكون، قال وقد سُئل: متى الساعة؟ قال: ((إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة))[10].
فاتقوا الله عباد الله، وحافظوا على الأمانات والواجبات، واحذروا المحرمات، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَـانَـاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَـاداتِهِم قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَـئِكَ فِى جَنَّـاتٍ مُّكْرَمُونَ [المعارج:32-35].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين، وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه من الغفور الرحيم.
---------------------------
[1] أخرجه ابن جرير في تفسيره (22/54) من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وانظر: تفسير القرطبي (14/255)، وتفسير ابن كثير (3/523).
[2] أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (3/523).
[3] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (5266)، وقال المنذري في الترغيب (2/358): "رواه غيره مرفوعا، والموقوف أشبه"، وقال في موضع آخر (4/4): "ذكر عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب الزهد أنه سأل أباه عنه فقال إسناده جيد"، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (1763، 2995).
[4] انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (14/254).
[5] جزء من حديث أخرجه الطبراني في الأوسط (2292) وفي الصغير (162) وقال: "لم يروه عن عبيد الله إلا مندل، ولا عنه إلا حسن، تفرد به الحسين بن الحكم"، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (302).
[6] أخرجه أحمد (3/135)، والطبراني في الأوسط (2606)، وهو أيضا عند أبي يعلى (2863)، وصححه ابن حبان (194)، وقال الهيثمي في المجمع (1/96): "فيه أبو هلال، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (3004).
[7] أخرجه مسلم في الإيمان (143)، وهو أيضا عند البخاري في الفتن (7086).
[8] أخرجه الطبراني في الأوسط (4925، 8599)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (2899).
[9] قال في الترغيب والترهيب (1/300): "رواه الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به، وله شواهد كثيرة".
[10] أخرجه البخاري في العلم (59) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
*******************
الخطبة الثانية
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، والعزّة التي لا تُضام، أحمد ربي وأشكره على آلائه العظام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتقوا الله حقَّ التقوى، وأطيعوه بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، تفوزوا بجنته ورضاه.
قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ?لأَمَـانَـاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء:58]، وهذه الآية المباركة عمّت جميع الأمانات.
ومن أعظم الأمانات الوظائف والأعمال والمناصب وحقوقها، فمن أدى ما يجب لله تعالى عليه فيها وحقَّق بها مصالحَ المسلمين التي أنيطَت بها والتي وُجدت لأجلها فقد نصح نفسه، وعمل خيراً لآخرته، ومن قصّر في واجبات وحقوق الوظائف والمناصب ولم يؤدِّ ما أُنيط بها من منافع العباد أو أخذ بها رشوة أو اختلس بها مالاً للمسلمين فقد غشّ نفسه وقدّم لها زادا يرديها، وغدر بنفسه وظلمها، وفي صحيح مسلم أن رسول الله قال: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يُرفع لكل غادر لواء ويقال: هذه غدرة فلان بن فلان))[1].
ومن أعظم الأمانات الودائع والحقوق التي أمنك الناس عليها، وقد روى أحمد والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلّها إلا الأمانة)، قال: (يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: أدِّ أمانتك، فيقول: أي ربِّ، كيف وقد ذهبت الدنيا؟! فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فيُنطلَق به إلى الهاوية، وتُمثّل له الأمانة كهيئتها يوم دُفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه حتى إذا ظن أنه خارج اخْلولت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبدَ الآبدين)[2].
عباد الله، إن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه المصطفى وخليله المجتبى، فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
-----------------------------------
[1] أخرجه مسلم في الجهاد (1735) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهو عند البخاري أيضا في (6177، 6178).
[2] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (5266)، وقال المنذري في الترغيب (2/358): "رواه غيره مرفوعا، والموقوف أشبه"، وقال في موضع آخر (4/4): "ذكر عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب الزهد أنه سأل أباه عنه فقال إسناده جيد"، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (1763، 2995).
والثالثة هي خطبة المسجد الاقصى وهي خطبة حقيقة راااائعة وسوف أنقلها غدا بأذن الله .
وسامحيني أختي فداء عندما كنت أريد أختار أن أضغط على رد ضغط على الموضوع فلا تزعلين مني فهذا خرج مني سهوا ولم أكن أقصد ذلك .
ضيف خفيف
15-10-2002, 02:47 AM
وكان خطيب هذا الاسبوع الشيخ عكرمة مصطفى صبري وكانت خطبته بعنوان بين مطرقة اليهود والسندان الأمريكي .
ملخص الخطبة
1- قس أمريكي يشتم النبي صلى الله عليه وسلم. 2- رحمة رسول الله وشفقته حتى على مخالفيه. 3- انحياز الإعلام الغربي ضد الإسلام. 4- قرار مرفوض للكونجرس باعتبار القدس أرضاً إسرائيلية. 5- دعوة لحقن الدم الفلسطيني وإيقاف التقاتل الداخلي. 6- الإجراءات التعسفية اليهودية تمنع المصلين من الصلاة في الأقصى. 7- مجازر يهودية بحق إخوتنا في فلسطين. 8- مكر يهودي بالقدس وأهلها.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيقول الله عز وجل في سورة التوبة: يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَـافِرُونَ [التوبة:32]، ويقول سبحانه وتعالى في سورة الصف: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ لْكَـافِرُونَ [الصف:8] صدق الله العظيم.
أيها المسلمون، يا أحباب محمد عليه الصلاة والسلام، إن الحملة المسعورة في هذه الأيام ضد الإسلام والمسلمين لم تقتصر على ديننا الإسلامي العظيم فحسب، بل طالت مؤخراً نبينا ورسولنا وحبيبنا محمدا عليه الصلاة والسلام ، فقد وجه قسيسٌ أمريكي متصهين خلال هذا الأسبوع انتقادات ظالمة، حاقدة، جارحة، غير موضوعية بحق رسولنا الأكرم ، ووصفه بالقاتل والمعتدي والإرهابي إلى غير ذلك من الاتهامات الباطلة، فأصبحت الأمة الإسلامية كلها إرهابية في نظر هذا القسيس المجرم، ولا يدري هذا القديس المغفل المتصهين بأن الله رب العالمين قد أكرم هذا النبي الأمين بأن رفع الله رب العالمين ذكره بين العالمين بقوله في سورة الإنشراح: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4]، وأنه عليه الصلاة والسلام قد أرسله الله رحمة مهداة للعالمين بقوله سبحانه وتعالى في سورة الأنبياء: وَمَا أَرْسَلْنَـاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـالَمِينَ [الأنبياء:107].
وإن الله عز وجل قد اصطفى محمداً من بين خلقه ورسله ليحمل هذه الأمانة العظيمة والرسالة الخالدة إلى البشرية جمعاء في كل زمان ومكان.
أيها المسلمون، يا أحباب المصطفى عليه الصلاة والسلام، كيف يوصف نبينا بالقاتل والمعتدي والإرهابي، وهو الذي دعا بالهداية لأهل الطائف الذين آذوه واعتدوا عليه وقذفوه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين، فحينما لجأ عليه الصلاة والسلام إلى كرم العنب ودعا دعاءه المشهور الذي بدأه بقوله: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي" حينئذ نزل جبريل عليه السلام وقال له: إذا أردت أن يطبق الله الأخشبين أي الجبلين على أهل الطائف فعل. فماذا كان جواب الرسول عليه الصلاة والسلام صاحب القلب الكبير؟ ماذا قال؟ قال: ((اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)). لقد طلب لهم الهداية ولم يطلب معاقبتهم على أفعالهم المنكرة.
أيها المسلمون، يا أحباب النبي عليه الصلاة والسلام، كيف يوصف نبينا بالقاتل والمعتدي والإرهابي، وهو الذي عفا عن أهل قريش يوم الفتح الأعظم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، وقد قال عليه الصلاة والسلام لأهل مكة: ((ماذا تظنون أني فاعل بكم؟)) قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم. فقال قولته المشهورة: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)) فقد أعلن العفو العام عن قريش، الذين عادوه وخاصموه عشرين عاماً. فحين دخل مكة لم يقتل أحداً، ولم يعتقل، ولم يبعد، ولم يحرم أحداً من دخول الكعبة، ولم يهدم بيتاً، ولم يقطع طريقاً، ولم يحاصر بلداً، وإن السيرة النبوية المطهرة حافلة بآلاف المواقف الرحيمة الإنسانية غير العدوانية مع المسلمين وغير المسلمين.
أيها المسلمون، يا أحباب الرسول عليه الصلاة والسلام، إن الذين يحاولون التطاول على الإسلام وعلى نبيه إنما ينكرون الوحي وينكرون النبوة، وإن تطاول هذا القسيس المتصهين على شخص الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام هو في حقيقته تطاول على جميع الأنبياء والمرسلين في حين أن الله عز وجل قد اختار الأنبياء والمرسلين واصطفاهم وفضلهم على سائر البشر وحملهم مسؤوليات جساماً، وعصمهم من الأخطاء والوقوع في الزلل، وإن الأنبياء والمرسلين جميعهم يتلقون الوحي من مشكاة واحدة من الله رب العالمين، فالوحي هو الوحي، على أي نبي من الأنبياء والمرسلين، وهو معجزة من معجزات الله رب العالمين، ومعنى هذا أن من ينكر نزول الوحي على أي نبي من الأنبياء فإنه يكون قد أنكر الوحي على سائر الأنبياء والمرسلين.
أيها المسلمون، يا إخوة الإسلام في كل مكان، إن الإعلام الأمريكي المتحيز قد هيأ لهذا القسيس المتصهين أن ينفث سمومه تحت ذريعة حرية الرأي والتعبير دون أي معارضة. ولو افترضنا أن عالماً مسلماً انتقد انحراف أتباع دين آخر، فماذا ستكون النتيجة؟ لقامت الدنيا ولم تقعد، ولاتهم المسلمون بتهم باطلة حاقدة. كل ذلك يا مسلمون هو نتيجة هوان المسلمين في هذه الأيام وضعفهم وتفرقهم واختلافهم، فالله سبحانه وتعالى يقول في سورة التوبة: نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة:67]، ويقول في سورة الحشر: وَلاَ تَكُونُواْ كَاالَّذِينَ نَسُواْ للَّهَ فَأَنسَـاهُمْ أَنفُسَهُمْ [الحشر:19].
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إن العداء الأمريكي في هذه الأيام يستهدف الإنسان والأرض، فاستهدف مدينة القدس كما استهدف المسلمين. وإن استهداف القدس آت من خلال قرار الكونجرس الباطل المتظلل باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، فهذا قرار باطل أصلاً، لأنه صدر عمن لا يملك، فمدينة القدس محتلة، ويجب أن يزول الاحتلال مهما طال الزمن.
ثم إن ارتباط المسلمين بهذه المدينة هو بقرار من رب العالمين، لا من الكونجرس الأمريكي، ولا من هيئة الأمم ولا من مجلس الأمن ولا من بريطانيا. إن القرارات البشرية لا تقوى ولا تقف أمام القرار الرباني الإلهي، فنحن أبناء أرض الإسراء والمعراج، ونحن أحفاد عمر وأبي عبيدة وخالد وبلال بن رباح وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، ونحن أصحاب الحق الشرعيين في هذه الأرض الطاهرة المباركة المقدسة.
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، من على منبر المسجد الأقصى المبارك نعلن للعالم أجمع إسلامية هذه الديار ورفضنا لقرار الكونجرس الأمريكي ونقول لعرب عدنان وقحطان كما قال الشاعر الزهراوي ساخراً:
ناموا ولا تستيقظوا ******* مـا فـاز إلا النـوَم
ونقول لمدينة القدس المحتلة المحاصرة، لك الله أيها المدينة اليتيمة، فالكل يتباكى عليك ولا فعال، لا تحزني، لا تيأسي، لا تلعني، فإن الفجر آتٍ إن شاء الله القائل: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81]، والقائل: حتى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].
أيها المسلمون، يا إخوتنا في مدينة غزة الأبية، ومن على منبر المسجد الأقصى المبارك، أناشد إخوتنا في مدينة غزة الأبية أن تحقنوا دماءكم الزكية، كفانا ما نحن فيه من المجازر التي تقع فينا يومياً من قبل الاحتلال الإسرائيلي. كونوا أيها الإخوة على قدرٍ من المسؤولية، تجاوزوا هذه المرحلة الصعبة بضبط النفس والتحلي بالتسامح وإحياء الأخوة الإيمانية، فإن أرواحكم والله عزيزة علينا جميعاً. لا تهدروا هذه الدماء الزكية، في أمورٍ تافهةً فرعية. الوحدة الوحدة أيها الإخوة في غزة وفي كافة الأراضي الفلسطينية الطاهرة المباركة المقدسة، ويد الله مع الجماعة، والله يكلؤكم بعنايته ورعايته، فالله سبحانه وتعالى يقول: وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، ويقول رسولنا الأكرم عليه الصلاة والسلام : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً))[1].
ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين، استغفروا الله.
-------------------------------
[1] أخرجه البخاري في المظالم (2266] ، ومسلم في البر [4684] من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
الخطبة الثانية
نحمد لله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، صلاةً وسلاماً دائمين إلى يوم الدين.
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أيها المسلمون، إننا من على منبر هذا المسجد الأقصى المبارك نرفض الإجراءات التي تقوم بها الشرطة الإسرائيلية بمنع المصلين الذين تقل أعمارهم عن أربعين سنة. فالمسلم المكلف شرعاً من حقه أن يأتي على هذا المسجد لصلاة الجمعة. ونطلب من إخوتنا في باحات المسجد الدخول إلى داخل المسجد لتعبئة الفراغات فيه لأن عدد المصلين قد قلّ عن عددهم بسبب الإجراءات الإسرائيلية الظالمة.
أيها المسلمون، يا سدنة الأقصى، مرت خلال هذا الأسبوع الذكرى الثامنة عشر لمجزرة الأقصى التي لم يشر إليها الإعلام، وقد نعذر الإعلام لكثرة المصائب التي تترى، فلم يشر إلى هذه الذكرى الأليمة، والتي وقعت يوم الإثنين في الثامن من شهر تشرين الأول (أكتوبر) من عام ألف وتسعمائة وتسعين للميلاد من قبل السلطات الرسمية المحتلة، أما المجازر والاعتداءات التي وقعت قبل ذلك في المسجد الأقصى فكانت تنسب ليهود مجانين. ثم وقعت المجزرة الرسمية الثامنة في باحات الأقصى وذلك يوم الجمعة في السابع والعشرين من شهر أيلول (سبتمبر) من عام ألف وتسعمائة وستة وتسعين أثناء انطلاقة انتفاضة النفق. ثم وقعت المجرة الرسمية الثالثة في باحات الأقصى في يوم الجمعة في التاسع والعشرين من شهر أيلول (سبتمبر) من عام ألفين للميلاد. وهي بداية انتفاضة الأقصى. والأيام حبالى يلدن كل عجيب.
أيها المسلمون، يا أبناء الأقصى، إن حماة الأقصى قد تلقوا الرصاص الحاقد بصدورهم العارية إلا من الإيمان القوي المتين، وهذا يدل على تمسك المسلمين بأقصاهم وبمقدساتهم وأنهم يقدمون أرواحهم رخيصة في الذود عن هذا المسجد الذي هو جزء من إيماننا وعقيدتنا. وإن هذه المجازر لن تثنيهم عن تمسكهم بالأقصى، ولن تفت في عضدهم، فهم أبناء الأقصى وهو سدنته وحراسه وحماته.وإن هذه المجازر هي أعمال عدوانية قاتلة ظالمة، ولا تزال هذه المجازر مستمرة ضد شعبنا، وآخرها ما حصل أمس في غزة. وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الابْصارُ [إبراهيم:42] صدق الله العظيم.
أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، إن بلدية القدس تحاول أن تتدخل في شؤون الأقصى بين الفينة والأخرى، والهدف من ذلك واضح هو البحث عن تبرير ومدخل للتدخل في شؤون هذا المسجد، وسبق أن أعلنا مراراً وتكراراً أن الأوقاف الإسلامية هي صاحبة الاختصاص والصلاحية في ترميم وصيانة المسجد الأقصى ومرافقه وجدرانه، وتحاول بلدية القدس الإسرائيلية أيضاً تشديد قبضتها على أهل القدس بهدف تهويد المدينة وهي تحرمهم من بناء بيوت سكن لهم ولعائلاتهم التي تحت الإنشاء تمهيداً لهدم هذه البيوت من قبل جرافات البلدية، وتؤكد أنه من حق أي مواطن أن يوفر مسكناً له ولعائلته، وهذه هي أبسط حقوق المواطنة وإن التضييق على المواطنين العرب هو من منطلق الظلم والتمييز والتهجير، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
ضيف خفيف
15-10-2002, 02:50 AM
وسامحوني على القصور
نسئل الله الاخلاص في الاعمال
أخي حياة بلا مشاكل :
إذا كنت أنت مقصراً فماذا نقول نحن عن أنفسنا !,
لقد أخجلتنا كثيراً . بارك الله جهودك وكللها بالنجاح والقبول , آمين .
ومن منا كلف نفسه بنسخ خطبة واحدة , أو حتى وضع الرابط لها ؟
ولكن أجدت وأفدت ,وأنت لها , أبقاك الله ذخراً . ولا حرمنا عطاءك .
ضيف خفيف
15-10-2002, 08:18 PM
اللهم آمين كلا مقصر في هذه الدنيا وجزاك الله خيرا وأن كنت أريد أن أضع الرابط لهذه الخطب ولكن يجب أن نثري الموضوع وبما أصبح أنه مثبت فيجب علينا على الاقل ننقل الخطب من أفضل المساجد عند الرحمن .
وأم خطب الكويت فقد ذكرتها وهي موقع الشيخ دكتور طارق الطواري :
http://www.dr-tariq.com/records.html
ضيف خفيف
16-10-2002, 07:50 PM
هل تتذكرون الرد الذي قلت لكم بإستضافة الشيخ الدكتور/// طارق الطواري في مسجدنا في صباح السالم وكانت محاضرته مواقف بطولية قسوف أعطيكم الرابطان المحاضرة :
http://www.dr-tariq.com/audio/mwaqef.rm
http://www.dr-tariq.com/audio/mwaqef2.rm
أنتظر التحميل دقائق وأرجوا أن تعجبكم المحاضرة .
ضيف خفيف
21-10-2002, 08:26 PM
ولكن يوجد لدي خطبة المسجد الحرام للأسبوع الماضي وهي بعنوان وجوب تحطيم التماثيل للشيخ الدكتور سعود الشريم :
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=16594&scholar_id=216&scholar_name=%CE%D8%C8+%C7%E1%CD%D1%E3%ED%E4+%C7%E 1%D4%D1%ED%DD%ED%E4&scholar_directory=haramain
وسوف أختار لكم من الخطب القديمة لعل نستفيد منها وهي بعنوان كيف تصح القلوب للشيخ العلامة سلمان بن فهد العودة ....... حفظه الله ،،،
ملخص الخطبة
1- الأمر بطهارة القلب 2- من عوامل إصلاح القلب طيب المطعم والملبس وهجر الحرام 3- القرآن يربط بين بعض أعمال الجوارح وصلاح القلب 4- غض البصر وأثره في إصلاح القلب 5- علاج أمراض القلب بالقرآن فهو يدفع الشبهات ويهذب الشهوات 6- فوائد ذكر الله لقلب المؤمن
الخطبة الأولى
أما بعد:
فقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فيما أوحى إليه بطهارة القلب وتزكيته من أدرانه فقال تعالى: يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر .
وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم كما يقول ابن القيم - رحمه الله - على أن المراد بالثياب هنا القلب، والمراد بالطهارة إصلاح الأعمال والاخلاق.
ولئن ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية على ظاهرها، وأن المقصود تطهير الثياب من النجاسات التى لا تجوز معها الصلاة، فقد قيل: إن الآية تعم هذا كله وتدل عليه بطريقة التنبيه واللزوم، إن لم تتناول ذلك لفظاً، فإن المأمور به , إن كان طهارة القلب فطهارة الثوب وطيب مكسبه تكميل لذلك، فإن خبث الملبس يكسب القلب هيئة خبيثة، كما أن خبث المطعم يكسبه ذلك[1].
ومن هنا تعلم أخي المسلم أن أول شيء من عوامل إصلاح القلب طيب المطعم، وطيب الملبس، وكونهما من حلال، وليس بخاف عليك أن خبيث المكسب تحجب دعوته دون السماء, وهو يقول: يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام وغذى بالحرام، فأنى يستجاب له؟ لذلك كما أخبر الصادق المصدوق عليه أفضل الصلاة والسلام: ((اللهم لا تحرمنا فضلك بسبب شح نفوسنا وتجاوزنا الحلال إلى الحرام)).
والبعد عن المحرمات بشكل عام عامل مهم من عوامل صلاح القلوب، وتأمل كيف ربط الله في كتابه العزيز بين طهارة القلب وتزكيته وبين الخلاص والنهى عن عدد من الذنوب، كالنظر والزنا، وهتك عورات المسلمين، قال تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون [النور:30].
وقال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن يزكي من يشاء والله واسع عليم [النور:28]. قال ذلك عقب تحريم الزنا والقذف ونكاح الزانية فدل أن التزكي هو باجتناب ذلك.
وقال تعالى: - في آية ثالثة – وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم [النور:29].
قال ذلك في الاستئذان على أهل البيوت، فإنهم إذا أمروا بالرجوع فامتثلوا ولم يطلعوا على عورة لا يحب صاحب المنزل أن يطلع عليها، كان ذلك من تزكية القلوب، ومن عظمة هذا الدين.
إخوة الايمان: والأصل في ذلك كله غض البصر، وعدم إطلاقه في المحرمات والعورات، وقد قيل:كل الحوادث مبدؤها من النظر ******* ومعظم النار من مستصغر الشرر
وقال العارفون: إن غض البصر يوجب ثلاث فوائد عظيمة الخطر، جليلة القدر:
أحداها: حلاوة الايمان ولذته فإن من ترك شيئاً لله يوجب خيراً منه، ذلكم أن العين رائدة القلب، فإذا أطلق الانسان بصرة في المحرم تعلق قلبه به، فيصير القلب عبداً لمن لا يصلح أن يكون عبداً له، وحينئذ يقع القلب في الأسر ويصبح أسيرا بعد أن كان ملكاً, ومسجوناُ بعد أن كان حراً طليقاً. وتبدأ همومه وشكواه وصبابته وغرامه وعشقه في غير الله، وهكذا يتوزع قلبه وينصرف عما خلق له، وهذا إنما تمتلىء به القلوب الفارغة من حب الله والاخلاص له، إذ القلب لابد له من تعلق، وفرق بين من تعلق بالله فهداه، وبين من تعلق بغير الله فرفضه وأرداه.
الفائدة الثانية لغض البصر للقلب أنه يورثه النور وصحة الفراسة: وقد عقب الله قصة لوط عليه السلام بقوله: ) إن في ذلك لآيات للمتوسمين [الحجر:75]( وهم المتفرسون الذين سلموا من النظر المحرم والفاحشة .. هذا في فراسة القلب، أما نوره فقد قال تعالى عقب أمره إلى المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم الله نور السموات والأرض [النور:35]. وتفسير هذا كما قال ابن القيم - رحمه الله - أن الجزاء من جنس العمل فمن غض بصره عن المحرمات أطلق الله بصيرته وقلبه، فرأى به مالم يره من أطلق بصره ولم يغضه عن محارم الله.
أما الفائدة الثالثة من فوائد غض البصر للقلب فهي أنها تورثه كذلك قوة وثباتاً وشجاعة , وقد قيل في الأثر: إن الذي يخالف هواه يفر الشيطان من ظله. أما المتبع لهواه والمطلق عنان شهواته فيوجد عنده من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه, وقد قضى الله بالعزة لمن أطاعه وأتقاه ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون:8]. وقال تعالى: من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً [فاطر:10].
أخي المسلم مهما طلبت العزة فلن تجدها في غير طاعة الله ومهما طال أمد تجاربك فستعود صفر اليدين من العزة مادمت للمعاصي ملازماً، وللطاعات مقلاً، قال بعض السلف: (الناس يطلبون العز بأبواب الملوك، ولا يجدونها إلا في طاعة الله).
ايها الاخوة ومهما تبلغ عزة أصحاب المعاصى فهي سراب خداع وهي أنس للحظات، ويعقبها هم لعدة ساعات، وقال الحسن: إنهم ولئن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال، فإن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه[2].
أمة الإسلام: ومن أنفع الأدوية لعلاج مرض القلب القرآن الكريم، وقال الله تعالى: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور [يونس:75].
وقال تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين [الإسراء:82].
وحاصل ذلك أن جماع أمراض القلوب هي أمراض الشبهات والشهوات، والقرآن شفاء للنوعين، ففيه البينات والبراهين القاطعة ما بين الحق والباطل، فتزول أمراض الشبه المفسده للعلم والتصور والإدراك، وليس تحت السماء كتاب متضمن لبراهين والآيات من التوحيد وإثبات المعاد والنبوات ورد النحل الباطلة والآراء الفاسدة مثل القرآن .. فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك .. ولكن ذلك موقوف على فهمه، ومعرفة المراد منه، فمن رزقه الله ذلك أبصر الحق والباطل عياناً بقلبه كما يرى الليل والنهار .. وكما يرى الشمس ليس دونها سحاب.
وأما شفاء القرآن من مرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والتنديد في الدنيا والترغيب في الآخرة .. فيرغب القلب السليم فتجده محباً للرشد مبغضاً للغي .. وهكذا يعود القلب إلى فطرته التي فطره الله عليها، فلا يقبل إلا الحق، ولا يفعل إلا الخير، وهكذا يزكو القلب ويطيب وتنساق له الجوارح بعمل الصالحات[3].
وباختصار فالقرآن يذهب ما في القلوب من أمراض، من وشك ونفاق وشرك وزيغ، وقيل: ليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه[4].
وفى القرآن الكريم كذلك شفاء للأجسام إذا رقيت به وفيها بلاء كما يدل على ذلك اللديغ الذي رقى بالفاتحة وهي رواية صحيحة ومشهورة [5].
إخوة الايمان: وهذا العلاج القرآني يدعونا إلى المزيد من الاهتمام بكتاب الله وتلاوته وتدبر معانيه، ولن يخيب شخص طلب الدواء مظانه الحقيقة، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً، فاستجيبوا له واطلبوا الشفاء منه، وتعرضوا لنفحاته وهو تعالى مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاء.
قال الله تعالى: ) ياأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنكم إليه تحشرون [الأنفال:24].
أتدرون كيف يحول الله بين المرء وقلبه؟ قال ابن عباس رضى الله عنهما: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر والايمان. وقال السدي: المعنى: لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه [6].
ومن هنا نعلم - معاشر المسلمين - أهمية الدعاء والتضرع لله في إصلاح القلوب واستقامتها على منهج الله, وقد كان خير البرية صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء وخاصة لإصلاح القلب ويقول: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)).
وحين سئل عن سر إكثاره من ذلك أجاب بقوله: ((إن القلب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها كيف يشاء)) وفى رواية: ((فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه))، فنسأل الله أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب[7].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وأقول هذا وأستغفر الله. . .
----------------------------------------------
[1] إغاثة الهفان 1/76 .69
[2] إغاثة اللهفان 1/60.62
[3] أغاثة اللهفان 1/56/85/
[4] تفسير ابن كثير 5/110
[5] خرجها الشيخان في صحيحيهما .
[6] تفسير ابن كثير 3/575
[7] تفسير ابن كثير 3/577
-------------------------------------------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، خلق فسوى وقدر فهدى، وأخرج المرعى وكذلك يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا أله إلا الله بيده مقاليد السموات والأرض، وبيده مفاتيح الهدى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أزكى البشرية نفساً وأطيبهم قلباً، اللهم صل عليه وسلم وعلى إخوانه من الأنبياء وعلى آله، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين.
أيها المسلمون: ومن الأدوية الناجحة بإذن الله لإصلاح القلوب ذكر الله تعالى، قال الله تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب فبذكر الله تأنس القلوب وتصفو الأرواح, ولكن ذلك هبة من الله يهبها لمن آمن به وتوكل عليه الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله [الرعد:28].
ويكفيك أن تعلم أخي المسلم أن الفرق بين الذاكر له والغافل عن ذكره كالفرق بين الحي والميت، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن من أحب شيئا تعلق به وأكثر من ذكره، والذاكرون له هم من أولياء الله والمحبون له، وأولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وحتى نعلم أن الذكر هبة وتوفيق من الله تأمل في سهولة الذكر، إذ لا يحتاج إلى طهارة، ولا إلى كلفة، وليس له أوقات مخصصة، ويستطيعه الإنسان قائما وقاعدا، مسافراً ومقيماً، صحيحاً أو مريضاً..ومع ذلك يتفاوت الناس فيه، فمنهم من لا يزال لسانه رطباً بذكر الله، ومنهم من يجد صعوبة في استدامة ذكر الله، وهناك فئة ثالثة تشمئز قلوبها وتنفر حيننا يذكر الله.
والله هؤلاء هم الكافرون الذين قال الله عنهم: وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذُكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون [الزمر:45].
أخي في الله: وأضيف إلى ذكر الله سلامة القلب من الغش والحسد فإن ذلك علامة صحة القلب، ويقود ذلك صاحبه إلى الجنة ونعم المآب، وتأمل كيف اجتمع الأمران لرجل فكانا سبباً في دخوله الجنة في قصة تستحق الوقفة والتأمل.
فقد أخرج الامام أحمد وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوءه قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الرجل الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك .. فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضاً، فطلع ذلك الرجل على مثل حالته الأولى .. فلما قام تبعه عبد الله عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، فقال: انى لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي، فعلت؟ قال: نعم قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاُ، غير أنه إذا تعار، أي تنبه من نومه، وتقلب على فراشه ذكر الله حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً.
فلما مضت الثلاث ليال، وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله: إنى لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثم، ولكن سمعت رسول الله عليه وسلم يقول ثلاث مرار: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة. وطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوى إليك لآنظر ما عملك فأقتدى به، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ ما بك ماقال رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ فقال الرجل: ما هو إلا ما رأيت، قال عبد الله: لما وليت دعاني فقال: ما هو إلا مارأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي والله التي لا نطيق)).
إخوة الإسلام: تشبهوا بالصالحين واقتدوا بالهداة الراشدين، ولا يلقين الشيطان في روعكم أن تلك أمة خلت، فمن يؤمن بالله يهد قلبه , ومن يتق الله يجعل له مخرجاً .. والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا.
ثم اعلموا – وفقني الله وإياكم للخير – أنه لن تتم لكم سلامة قلوبكم حتى تسلموا من خمسة أشياء: ومن شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر. وهوى يناقض التجريد والاخلاص[1].
وإذا علمتم فاعلموا كذلك أن خيرَ ماأكثر الناس – كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم – ثلاث: ((قـلب شاكر، ولسان ذاكر، وزوجة صالحة تعينك على أمر دنياك ودينك))[2].
وفقني الله وإياكم للخير وعصمنا من الشر، وجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين .. وصلوا رحمكم الله على خير نبي .. فقد أمركم الله بذلك.
أخي في الله: وكلنا في قلوبنا مرض، لكن حجم هذا المرض يختلف من شخص لآخر، وكلنا محتاجون إلى تعاطي الأدوية الناجعة لعلاج مرض القلب، فلنسارع إلى العلاج، ولنأخذ بالأسباب، ولا يكن نصيبنا من الخير سماعه، وإنما قدمت لك بعض ما يسمح الوقت به من الادوية، وربما خطر لك علاج آخر أو تفطنت لدواء ناجع فعليك به.
------------------------------------------
[1] ابن القيم ، الداء والدواء ص 170
[2] صحيح الجامع 4/142
وسوف بأذن الله ننقل الخطب اقريبا .
جهد مبارك أخي , واختيار موفق لخطبة رائعة , جعله الله في موازين حسناتك .
ضيف خفيف
22-10-2002, 05:01 PM
أم الخطبة الاولى في المسجد الحرام للشيخ // د.سعود الشريم وعنوان خطبته كسر الاوثان :
ملخص الخطبة
1- حالة الناس قبل بعثة المصطفى . 2- كيفية انتقال الشرك إلى العرب. 3- الحكمة من خلق الثقلين. 4- تحطيم النبي للأصنام. 5- محاربة النبي للتماثيل حتى التي لا تُعبد. 6- كسر الصحابة رضي الله عنهم للأصنام والأوثان. 7- الأوثان في العصر الحاضر. 8- خوف النبي الشرك على أمته. 9- استدراج الشيطان الناسَ إلى الشرك. 10- المفهوم الصحيح للشرك. 11- وجوب سدّ الذرائع المفضية إلى الشرك. 12- غربة التوحيد في هذا الزمان.
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها الناس، منذ غابر الأزمان وقبلَ نبوة المصطفى كان الناس على هذه البسيطة في جاهليةٍ جهلاء، إبانَ فترةٍ من الرسل، قد انقطع الناسُ فيها عن المدد الروحي والنور الإلهي، لأجل ذلك اعترتهم ظلماتُ العقائد والقوانين والأنفس، ظلماتٌ لا يجد فيها الحاذق بصيصَ نور يهدي به إلى هداية، أو يخلص به من ضلاله، وينجو من غواية، بل هي ظلماتٌ بعضها فوق بعض، ظلماتٌ أودت بذويها إلى أن يتخبّطوا في مهامِه الحياة ودروبها خبطَ العُشراء، ظلماتٌ جعلت من عقول مشتمليها ودينهم أن يصنعوا معبوداتهم بأيديهم، فنحتوا ما يعبدون، والله خلقهم وما يعملون، حتى عموا وصمّوا، وضلوا وغوَوا، ثم انحطّ غيّهم فعبدوا الأشجارَ والأحجار والستائرَ المنصوبة والتماثيلَ التي كانوا لها عاكفين. لقد أغراهم بذلك غيبة إنسانيتهم، وإفلاسُ عقولهم بعد طيشها، حتى انتحرت فطرتهم وبقوا هواءً في جثمان إنس، يقول حبر الأمة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما متحدِّثا عن هذه الحقبة من الزمن: (صارت الأوثانُ التي في قوم نوح في العرب بعدُ، أما ودّ فكانت لكلب في دومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم بني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم أنصاباً وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسّخ العلم عُبدت) رواه البخاري[1].
عباد الله، لقد كانت العربُ قبل هذا الأمر على ملة إبراهيم عليه السلام، فما فتئ الزمان يدور حتى قلّ العلم وهلك العلماء لتحلّ الأصنام بين العرب من جديد، وتتبدّل ملة إبراهيم عليه السلام وتتنسّخ، وقد كان الذي تولَّى كبر هذه الشقوة والمعرّة أبو خزاعة عمرو بن لحي، فهو الذي سيّب السوائب وعبّد الأصنام، وقد رآه النبي في صلاة الكسوف يجرّ أمعاءه في النار؛ لأنه أول من سيّب السوائب وبدّل دين إبراهيم عليه السلام. رواه مسلم في صحيحه[2]. يقول ابن كثير رحمه الله: "كان عمرو بن لُحي أولَ من غيَّر دينَ إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاعَ من الناس إلى عبادتها والتقرّب بها"[3].
أيها المسلمون، إنما خلق الله الثقلين الجنَّ والإنس ليُعبَد وحدَه في الأرض، وأرسل رسولَه بالشريعة الغراء، محاطةً بقواعد قرَّرها الشارع الحكيم، متمثّلةً في ضروراتٍ خمس، أجمعت الأنبياء والرسل قاطبةً على حفظها ورعايتها، وهي الدين والنفس والمال والعرض والعقل. فكلُّ مفسدة يُخشى أن تُؤتى من قبل ضرورة من هذه الضرورات فإنه يجب درؤها، ودفعها أولى من رفعها، وكان على المتسبِّب فيها من الإثم والوزر الذي يتجدّد عليه بانتشارها، ويتوالى تراكمُه في صحيفة أعماله، إبان حياته وبعد مماته، كمثل ما على عمرو بن لحي حين أدخل الأصنام وبدّل دين إبراهيم. وعلى رأس هذه الضرورات الخمس ضرورة الدين والعقيدة وتوحيد الله.
لقد أضاء النبي الطريقَ وأوضح السبيل، وطهّر الله به جزيرةَ العرب من رجس الوثنية وهيمنة الأصنام والتماثيل، وكان كبير هذه الأصنام هُبل، وهو بأعلى مكّة، وحوله ثلاثمائة وستون صنما، كلها من الحجارة، فطعن فيها المصطفى بيده الشريفة حين دخوله الكعبة يوم الفتح وهو يردد قول الله: وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ البْاطِلُ إِنَّ الْباطل كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:81][4]، يقول القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: "فيها دليل على كسر نُصُب المشركين وجميع الأوثان إذا غُلب عليها، يقول ابن المنذر رحمه الله: وفي معنى الأصنام الصور المتخذة من [المدر] والخشب وشبهها"[5].
عباد الله، لقد حطَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأصنامَ حولَ الكعبة، وبعضُ الصحابة كان يردِّد: يا عزّى، كفرانك لا غفرانك، إني رأيت الله قد أهانك[6]، ويبعث رسول الله سراياه إلى الأصنام التي كانت حول مكة، ونادى مناديه بمكة قائلاً: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلا كسره))[7]، فيبعث رسول الله خالد بن الوليد إلى العزّى ليهدمها، فهدمها، ثم رجع إلى رسول الله فقال: ((هل رأيت شيئاً؟)) قال: لا، قال: ((فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها))، فرجع خالد وهو متغيّظ قد جرّد سيفه، فخرجت إليه امرأة عجوز عريانة سوداء ناشرة الرأس، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد، فجزلها باثنتين، ورجع إلى رسول الله ، فأخبره فقال: ((نعم، تلك العزى، وقد أيست أن تُعبد في بلادكم أبداً)) رواه النسائي[8].
ثم بعث رسول الله عمرو بن العاص إلى سواع وهو صنم لهذيل، فاعترضه السادن فقال: لا تستطيع أن تقتله؛ فإنك ستُمنع منه، فدنا منه رضي الله عنه فكسره، فأسلم السادن بعد ذلك[9].
ثم بعث رسول الله [سعد] بن زيد إلى مناة فهدمها[10].
ولما أراد النبي المسيرَ إلى الطائف بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين ليهدمه فهدمه، وجعل يحشي النار في وجهه ويحرقه ويقول:
يا ذا الكفين لستُ من عُبّادكا ***** ميلادُنا أقدم من ميلادكا
إني حششتُ النار في فؤادكا[11]
ثم بعثَ النبي علي بن أبي طالب إلى الفلس وهو صنم لطيء، فهدمه هو ومن معه[12]، كما بعث جرير بن عبد الله البجلي في سرية لكسر صنم ذي الخلصة باليمن[13].
بهذا كلِّه ـ عباد الله ـ يجدِّد رسولُ الله ملة أبيه إبراهيم وإخوانه الأنبياء، فلقد قال إبراهيم سائلاً ربه: وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ [إبراهيم:35]، وقال لقومه: وَتَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ [الأنبياء:57]، ويجدِّد النبي فعلَ موسى مع السامري حين قال له: وَانظُر الى إِلهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِى الْيَمّ نَسْفاً [طه:97].
أيها المسلمون، لقد كانت مواقف النبي من الأصنام والتماثيل بارزةً العيان، قولاً وفعلاً، بل إنه لم يقتصر كسرُه للأصنام على ما عُبِد من دون الله، أو على من عُظِّم كتعظيم الله فحسب، بل تعداه إلى التماثيل التي تُتَّخذ في البيوت ونحوها على هيئة الاقتناء والزينة ولو لم تُعبد، فقد جاء عند أبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله : ((أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلتُ عليك البيت الذي كنتَ فيه إلا أنه على باب البيت تماثيل)) الحديث، وفيه أن جبريل أمره برؤوس التماثيل أن تقطع، فتصيَّر كهيئة الشجر[14]. ومعلوم ـ عباد الله ـ أنه لا يقول عاقل ألبتة: إن النبي قد اتخذ هذا التمثال للعبادة أو للتعظيم، وإنما كان لمجرّد الاقتناء، كيف لا؟! وقد سأله عمرو بن عبسة فقال: بأيِّ شيء أرسلك الله؟ قال: ((أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحَّد الله، ولا يشرك به شيء)) رواه مسلم[15].
عباد الله، بمثل فعل النبي هذا وفعل الأنبياء من قبله سار الصحابة الكرام وأئمة الدين، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ؟! أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته[16]. والمقرَّر عند أهل العلم أن كلمةَ تمثال هنا نكرةٌ في سياق النهي، فتعمّ كلَّ تمثال أيًّا كان نوعه، سواء كان للعبادة أو لمجرّد الاقتناء والزينة.
وذكر ابن إسحاق في مغازيه عن أبي العالية قال: لما فتحنا تُستر وجدنا في بيت الهرمزان سريرا عليه رجلٌ ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذناه فحملناه إلى عمر رضي الله عنه ـ إلى أن قال: ـ فماذا صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرّقة، فلما كان الليل دفناه، وسوَّينا القبور كلَّها لنعمِّيَه على الناس؛ لا ينبشونه، فقال رجل: وما يرجون منه؟ قال: كان يقال: إن السماء إذا حُبست عنهم برزوا سريرَه فيمطرون[17]. يقول ابن القيم رحمه الله معلقاً على هذه القصة: "ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم من تعمية قبره لئلا يُفتتن به، ولم يبرزوه للدعاء عنده أو التبرك به، ولو بصر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف"[18].
وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن ابن سعد روى بسند صحيح أن عمر رضي الله عنه بلغه أن قوماً يأتون شجرة بيعة الرضوان، فيصلون عندها، فتوعّدهم ثم أمر بقطعها فقطعت[19].
هكذا كانت مواقفُ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في حماية جناب التوحيد، وسدّ الذرائع المفضية إلى الشرك بالله؛ لأن البدع إذا حدثت وصارت صارفةً عن مقتضى القرآن والسنة، ولُفّقت لها شبهٌ، ورُتِّب لها كلامٌ مؤلَّف، صارت تلك البدع في حكم الواقع من المسلَّمات التي لا يمكن درؤها إلا بعد لأيٍ وشدائد، ويدلّ لذلك ما نقله الحافظ ابن حجر عن الفاكهي وغيره عن عبيد الله قال: "أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح، وكانت الأبناء تبرّ الآباء، فمات رجلٌ منهم فجزع ولده عليه، فجعل لا يصبر عنه، فاتَّخذ مثالاً على صورته، فكلما اشتاق له نظر إليه، ثم مات وفُعل به كما فعل، ثم تتابعوا على ذلك، فمات الآباء فقال الأبناء: ما اتخذ هذه آباؤنا إلا أنها كانت آلهتهم، فعبدوها"[20].
وبعدُ أيها المسلمون، فلقائلٍ أن يقول مستفهماً: هل يُعقل في أزمنةِ الحضارة المادية والثقافات العولمية ودائرة الأقلام السيّالة أن تتسرَّب لوثة عبادة الأصنام وتعظيمها إلى مجتمعاتها المعاصرة؟! فالجواب: نعم، ولا عجب من ذلك إذا تنسّخ العلم، وضعف الدين في النفوس، ولا أدلّ على ذلك من وجود معبودات في هذا العصر، منها ما هو على هيئة نصُب، ومنها ما هو على هيئة حيوانٍ أعجم، وليس ذلك بخافٍ على كل ذي لبٍّ ونظر.
ثم إن الجاهليين الأولين كانت لهم عقول مثل عقولنا، وأجساد كأجسادنا، ولهم لسان فصيح وسيادات بين العرب، وجميعهم يقرّون أن الخالق والرازق والمدبر هو الله وحده، ومع ذلك عبدوا الأصنام وعظموها، وإلا لما دعا إبراهيم ربه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام.
ولتأكيد هذا القول ـ عباد الله ـ فإن النبي قد خاف من دبيب هذه اللّوثة على أمته، بل لقد بيّن أن هذه اللوثة ستطيح ببعض الناس في آخر الزمان، فقد روى أبو داود في سننه عن النبي قال: ((لا تقوم الساعة حتى تعبُد قبائل من أمتي الأوثان))[21]، بل قد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: ((لا تقوم الساعة حتى تضطرب أَلَيات نساء دوس على ذي الخلصة))[22]، وذو الخلصة صنم معروف كسره جرير بن عبد الله البجلي لما بعثه النبي إلى اليمن، فدلّ على أن الأمر سيعود بمثل ما كان.
إذاً، هي الأيام يداولها الله بين الناس، فمن موحّدٍ فيها ومن مشرك، ومن خائف من مكر الله فيها ومن آمن، فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [الأعراف:99]، وإلا فما سرُّ تحذير النبي ، وكان قد أسَّس دولةَ التوحيد، ومحا الشركَ في عصره، حيث يقول وهو يعالج سكرات الموت في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))[23]، ثم خشي من تسلل هذا الداء بعد وفاته فقال: ((اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد)) رواه مالك[24].
روى ابن جرير وابن أبي حاتم أن إبراهيم التيمي قال في قوله تعالى عن إبراهيم: وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ [إبراهيم:35] قال: "ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم عليه السلام؟!"[25]، فلا يأمن الوقوع في لوثة الأصنام والتماثيل إلا من هو جاهل بها، وبما يُخلّص منها، من العلم بالله وبما بعث به رسوله ، من التوحيد الخالص والنهي عن الشرك به، يقول ابن القيم رحمه الله عن دور الشيطان في هذا الميدان: "وما زال الشيطان يوحي إلى عُبَّاد القبور بالبناء والعكوف عليها، ثم ينقلهم منه إلى دعائهم وعبادتهم واتخاذهم أوثاناً، تُعلَّق عليهم القناديل والستور، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقّص أهل هذه الرتب العالية، وحطّهم عن منزلتهم، وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر، فيغضب المشركون، وتشمئز قلوبهم، كما قال تعالى: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ شْمَأَزَّتْ قُلُوبُ اّلَذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:45]، وترى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادَوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفَّروا الناس عنهم"[26].
ثم لتعلموا ـ عباد الله ـ أن الصنم قد يطلق على الوثن، كما قرر ذلك بعض أهل العلم، والوثن هو كلّ ما عُبد من دون الله على أي وجهٍ كان، وقد نهى الله عن ذلك بقوله: فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الأوْثَـانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ [الحج:30].
وقد قصرت مفاهيم بعض الناس معنى عبادة غير الله على مجرّد عبادة الحجر أو الصنم، وهذا من فرط جهلهم بحقيقة هذه المسألة، إذ ليس بلازم أن يكون الشرك بالله محصوراً عند الصنم والركوع والسجود له، بل لقد أوضح النبي هذا الفهم القاصر، وذلك حينما سمع عديُّ بن حاتم رسول الله وهو يقرأ قول الله: اتَّخَذُو واحبا رَهُمْ وَرُهبانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]، فقال عدي: إنا لسنا نعبدهم! قال: ((أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟! ويحلّون ما حرم الله فتحلّونه؟!)) قال: بلى، قال: ((فتلك عبادتهم)) رواه أحمد والترمذي وحسنه[27].
اللهم إنا نعوذ بك من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ونعوذ بك اللهم أن نشرك بك شيئاً ونحن نعلم، ونستغفرك مما لا نعلم، إنك كنت غفاراً.
[1] أخرجه البخاري في تفسير القرآن (4920).
[2] أخرجه مسلم في الكسوف (904) من حديث جابر رضي الله عنهما.
[3] تقسير القرآن العظيم (2/108).
[4] أخرجه البخاري في تفسير القرآن (4720)، ومسلم في الجهاد (1781) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[5] الجامع لأحكام القرآن (10/314).
[6] روي هذا من كلام خالد بن الوليد لما حطم العزى، رواه الواقدي وغيره كما في البداية والنهاية (4/316).
[7] انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/137).
[8] أخرجه النسائي في الكبرى (11547) من طريق الوليد بن جميع عن أبي الطفيل، وأخرجه أيضا أبو يعلى (902)، وصححه الضياء في المختارة (258، 259)، وانظر: طبقات ابن سعد: (2/145).
[9] انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/146)، وتاريخ الطبري (2/163)، والثقات لابن حبان (2/60).
[10] انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/146)، وتاريخ الطبري (2/164)، والثقات لابن حبان (2/61).
[11] انظر: السيرة النبوية لابن هشام (2/229)، والطبقات الكبرى لابن سعد (2/157)، والاستيعاب لابن عبد البر (2/762).
[12] انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/164).
[13] أخرجه البخاري في المغازي (4355)، ومسلم في فضائل الصحابة (2476) عن جرير رضي الله عنه.
[14] أخرجه أحمد (2/478)، وأبو داود في اللباس (4158)، والترمذي في الأدب (2806)، والنسائي في الزينة (5365) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (5854)، وهو في صحيح أبي داود (3504).
[15] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (832) عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه.
[16] أخرجه مسلم في الجنائز (969).
[17] انظر: إغاثة اللهفان (1/203).
[18] إغاثة اللهفان (1/203-204).
[19] فتح الباري (7/448)، والأثر أخرجه ابن سعد في الطبقات (2/100) عن نافع فن عمر رضي الله عنه.
[20] فتح الباري (8/669)، وعبيد الله هذا هو ابن عبيد بن عمير، وكلامه رواه عنه الفاكهي في أخبار مكة (5/162).
[21] أخرجه أبو داود في الفتن (4252) عن ثوبان رضي الله عنه في حديث طويل، وأخرجه أيضا أحمد (5/278)، وابن ماجه في الفتن (3952)، وصححه الحاكم (8390)، وكذا الألباني في صحيح أبي داود (3577)، وأصل الحديث في مسلم (2889) مختصرا.
[22] أخرجه البخاري في الفتن (7116)، ومسلم في الفتن (2906) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[23] أخرجه البخاري في الصلاة (436)، ومسلم في المساجد (531) من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه أيضا البخاري في الصلاة (437)، ومسلم في المساجد (530) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[24] أخرجه مالك في الموطأ: كتاب النداء (416) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلا، ومن طريقه ابن سعد في الطبقات (2/240-241)، ووصله عمر بن محمد عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعا، أخرجه البزار ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد (5/43)، ونقل عن البزار أنه قال: "إن مالكا لم يتابعه أحد على هذا الحديث إلا عمر بن محمد عن زيد بن أسلم، وليس بمحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه من الوجوه إلا من هذا الوجه، لا إسناد له غيره، إلا أن عمر بن محمد أسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر بن محمد ثقة روى عنه الثوري وجماعة"، وقد ظن ابن عبد البر أن عمر هذا هو عمر بن محمد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب، فصحح الحديث بناء عليه، والظاهر أنه ليس كذلك بل هو عمر بن محمد بن صهبان كما جاء مصرحا في بعض نسخ البزار، ولذا قال الهيثمي في المجمع (2/28) بعدما عزا هذا الحديث إلى البزار: "وفيه عمر بن صهبان وقد اجتمعوا على ضعفه". وللحديث شاهد مسند من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه أحمد (2/246)، والحميدي (1025)، وأبو يعلى (6681)، والمفضل الجندي في فضائل المدينة (51)، وصححه الألباني في تحذير الساجد (ص17). وشاهد آخر من حديث عمر رضي الله عنه، قال الدارقطني في العلل (2/220): "يرويه أصحاب الأعمش عنه عن المعرور عن عمر موقوفا، وأسنده عبد الجبار بن العلاء عن ابن عيينة عن الأعمش عن المعرور عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتابع عليه، والمحفوظ هو الموقوف".
[25] أخرجه ابن جرير في جامع البيان (13/228)، وانظر: الدر المنثور (5/46).
[26] إغاثة اللهفان (1/212-213).
[27] أخرجه الترمذي في التفسير (3095)، وابن جرير في جامع البيان (10/114)، والبيهقي في الكبرى (10/116) عن عدي رضي الله عنه، وفي بعض نسخ الترمذي قال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث"، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (2471). تنبيه: عزا ابن كثير في تفسيره (1/378، 2/349) هذا الحديث إلى مسند أحمد، ولم أجده فيه، وإنما فيه قصة إسلامه بين يدي النبي ، فالله أعلم.
------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله حمد من يشكر النعمة ويخشى النقمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، معلمنا الكتابَ والحكمة، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وأصحابه الأتقياء البررة.
أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن لله الدين الخالص، وأن على كل مسلم ومسلمة تطهير النفوس من الدواخل والشواغل الصارفة عن أن يُعبد الله وحده في الأرض، كما أن علينا جميعاً الامتثال لأمر الله ورسوله ، وتقديمهما على أنفسنا أو الوالدين والأقربين، وليحرص الناس جميعاً على تطهير مجتمعاتهم من رجس الأصنام والتماثيل قدر الطاقة، لا سيما مما يتكاثر انتشاره في البيوت من باب الزينة والاقتناء، لأن الملائكة لا تدخل البيت الذي فيه تمثال أو صورة، وقد كان الفاروق رضي الله عنه إذا دُعي إلى وليمة سأل الداعي إن كان في بيته شيء من التماثيل أو الصور، فإن قال: لا أجاب دعوته.
ألا فإن درأ المفاسد وسد الذرائع المفضية إلى الشرك لأمر جلل، ينبغي أن لا يغفل عنه المسلمون بعامة، فما قطعُ عمر لشجرة الرضوان إلا من هذا الباب. ثم إن اتخاذ التماثيل والأصنام أو تعظيمها وتعظيم الأضرحة لهو أمر حادث في الإسلام، وإحداثه لم يكن متصلاً بأهل العلم والتقوى، وإنما هو من إدخالات ذوي الأهواء والجهالات وذوي السلطة والغلبة، إذ في القرآن الكريم إشارة إلى مثل هذا بقول الله تعالى عن أصحاب الكهف: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا [الكهف:21].
لقد استفحل هذا الأمر في هذه العصور المتأخرة حتى وقع بعضهم في شرك الربوبية والألوهية، فاعتقدوا في بعض أهل القبور، وصوّروا لهم الأصنام والتماثيل، وزعموا أنهم يعلمون الغيب، ويجيبون من توجّه إليهم، وأن لهم القدرة على تفريج الكربات وقضاء الحاجات، حتى صارت كالأنصاب التي يتخذها مشركو العرب، فأقسموا بها، واستشفعوا واستنصروا ولاذوا، بل سيّبوا لها السوائب، وساقوا إليها القرابين، بل ولربّما جعلوها نصباً تذكارية لعظيم، وجعلوا لها من الحرمة والعظمة وعقوبة الاعتداء عليه ما لا يُجعل لمن اعتدى على دين الله أو سبّ الله ورسولَه .
وقد تحدث ابن القيم رحمه الله معلقا على غزوة النبي للطائف وهدمه لصنم اللات فقال: "وفي ذلك من الفوائد أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً، وكذا حكم الأضرحة والقبور التي اتخذت أوثاناً تُعبد من دون الله، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة، أو أعظم شركا عندها وبها، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل وخفاء العلم، وصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعةً، والبدعة سنةً، واشتدت غربة الإسلام، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين"[1].
ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين، واحرصوا على إقامة توحيد الله في الأرض تفلحوا، ويتحقق لكم النصر والتمكين، وتُجعل لكم العاقبة في الأولى والآخرة.
ألا وصلوا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في قوله: يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد...
والرابط الصوتي تم ذكره وسوف نعيده للتسهيل عليكم :
http://www.islamway.com/bindex.php?...ectory=haramain
ضيف خفيف
22-10-2002, 05:56 PM
وكان الشيخ الذي كان يخطب هو / عبد الباري الثبيتي وعنونها الشفاء في منع اختلاط الرجال بالنساء
ملخص الخطبة
1- موقف القرآن من الاختلاط. 2- فساد دعاة الاختلاط وإفسادهم. 3- شبهات وردود. 4- عقلاء الدول الغربية يحاربون الاختلاط. 5- مفاسد الاختلاط. 6- مظاهر الاختلاط. 7- تحريم الأسباب المفضية إلى الاختلاط. 8- الاختلاط أصل كل بلية.
الخطبة الأولى
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، قال تعالى: ياأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لأزْواجِكَ وَبَنَـاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـابِيبِهِنَّ ذالِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً [الأحزاب:59].
موقف القرآن الكريم من اختلاط الرجال بالنساء ترسمُه هذه الآية، منهجٌ قرآني يبيّن ضوابطَ أمنية، ويحدّد أسباب السلامة، حفظاً لكيان الأسرة المسلمة، وسلامة أنسابها، وطهارة قلوب الرجال والنساء من الفتنة والانحراف.
أمر الله سبحانه وتعالى النساءَ بإدناء الجلابيب وغض البصر، وحرّم الاختلاط بين الرجال والنساء، كلُّ ذلك سداً للذريعة وحسماً للوسائل المؤدية إلى الفساد.
الاختلاط قضيةٌ قديمة تتجدَّد في هذا العصر، حيث يقف المروّجون له بالمرصاد لخيرية أمة الإسلام، ويحسدونها على ما كرّمها الله وفضلها به على سائر الأمم.
إن دعاة الاختلاط لا يهمّهم صيانة الأعراض، ولا يفهمون معنًى للشَّرف والعرض، إنما هي في نظرهم كلماتٌ فقدت معانيَها القديمة، ووأدتها الحضارةُ والانطلاق من القيود المتحجِّرة زعموا. أصواتٌ شاذة تدَّعي أن الاختلاط يساعد على إقامة علاقة نظيفة، وأنه ضرورةٌ نفسية واجتماعية واقتصادية، وبه يرشَّد الإنفاق، ونقول لهؤلاء جميعاً: اسألوا الحضارة الغربية المتهالكة: ماذا جنته من الاختلاط؟ ستجيبكم الإحصاءات المذهلة والأرقام المفجعة عن نسبة الحوامل من الزنا، وألوف الأطفال الذين وُلدوا بطرق غير شرعية، ناهيك عن حالات الإجهاض، ونسبة جرائم الخطف والاغتصاب، مع انحطاطٍ خلقي، وآثار مدمرة في الاقتصاد والاجتماع، تُنذر بانهيار المجتمعات، مع كثرة العوانس، ذلك أن وجود السبل الميسرة لقضاء الوطر صرفتهم عن تبعات الزواج وتكاليفه زعموا.
يدَّعي بعضُهم أن الاختلاط يكسر الشهوة، ويهذب الغريزة، ويقي من الكبت والعقد النفسية، وواقع الحال في البلاد الإباحية يكذّب ذلك وينقضه، فلم يزد الناس إلا سعاراً بهيمياً، وهتكاً للأعراض، وتوقّداً للشهوة، لا يرتوي ولا يهدأ، وينتهي إلى شذوذ لا يقيّدهُ قيدٌ ولا يقف عند حدّ.
ها هي الغرائز قد أطلقت، فلم تزد النفوس إلا تعقيداً، ولم تزد الأعصاب إلا توتراً، مع انتشار الأمراض الفتاكة، وأصبح القلق النفسي هو مرض العصر هناك.
كيف نلقي إنساناً وسطَ أمواج متلاطمة، ثم نطلب منه أن يحافظ على ثوبه من البلل؟! كيف نلقي إنساناً وسطَ نيران متوقدة، ثم نطلب منه أن يحافظ على جسمه من الاحتراق؟!
إن عقلاءَ البلاد الإباحية التي جربت الاختلاطَ وذاقت ويلاتِه وقاست مساوئَه ينادون بقوة إلى منع اختلاط الرجال بالنساء في بلادهم، بعد أن أحسُّوا بالخطر الداهم، وأعلنوها صريحةً مدوِّية بعد طول عناء أن التعليم غير المختلط أفضل بكثير من التعليم المختلط، لم يؤدِّ الاختلاط إلى تصريف النظير إنما أدَّى إلى بهيمية كاملة، لم تؤدِّ التجربة إلى تماسك البيوت ولا استقرار ولا ثبات، وإنما أدَّى إلى تفكك دائم وطلاق متزايد وجوع مستمر.
الاختلاط ـ عباد الله ـ متعةٌ مُغرية، تجعل الشباب لا يفكر في الزواج، وتُفقِد المتزوج رابطَ الزوجية، وقد يتفارقان إلى أخدان وخليلات. إنه عاملٌ هدّام فعَّال لحياة الأسرة، ومنغّص لاستقرارها؛ لأنه في المجتمع المختلط لن يقنع أحدٌ بما رزقه الله، وتكثر الشكوك والغيرة بين الأزواج، كما تكثر الخيانات الزوجية.
من الأسباب البينة التي أدَّت إلى فتنة امرأة العزيز بيوسف عليه السلام الاختلاط الذي أضرم كوامن الغريزة، فيأبى يوسف عليه السلام خوفاً من الله العليم القدير.
الاختلاط من أكبر الأسباب الميسِّرة للفاحشة وارتكاب جريمة الزنا، فهو يحرّك في النفس نوازع الشر، ويشعل نارَ الشهوات الجامحة، ويولد الإغراء والإغواء.
الاختلاطُ يصرف شبابَ الأمة عن المعالي، ويؤدِّي إلى اضمحلال قواهم، ويوقعهم فريسة الشهوات البهيمية، ويحوّل المجتمع إلى لهو وعبث ومجون وخلاعة، وهذا يولج المجتمع موالجَ الهلاك.
للاختلاط المحرّم في المجتمعات صورٌ، منها: اختلاط البنات مع ابن العم أو ابن العمة وابن الخال مع ابن الخالة، خلوّ خطيب الفتاة بها وخروجه معها وحديثه، وذلك قبل العقد بحجة التعارف ومدارسة بعضهم بعضاً، اختلاط النساء بالرجال الأجانب عموماً بحجة أن القلوب بيضاء، اختلاط الطالبات بالطلاب في صفوف الدراسة بالجامعات والمعاهد والمدارس كما في بعض المجتمعات، استقبال المرأة أقاربَ زوجها الأجانب أو أصدقاءه في حالة غيابه ومجالستهم والكلام معهم كما في بعض المجتمعات، خلوة المدرسين الخصوصيين بالطالبات بحجة التدريس، اختلاط النساء بالرجال في المعامل والصيدليات والمستشفيات والمكاتب بدعوى ضرورة ذلك في العمل، خلو الطبيب بالمريضة من غير محرم لها، وما يسمَّى بالجلسات العائلية، والتي يختلط فيها الرجال بالنساء وما يحدث فيها من تبادل الحديث.
إخوة الإسلام، جاءت أحاديث صحيحة صريحة في تحريم الأسباب المفضية إلى الاختلاط وهتك سنة المباعدة بين الرجال والنساء، ومنها تحريم الدخول على الأجنبية والخلوة بها، تحريم سفر المرأة بلا محرم، تحريم النظر العمد من أي منهما إلى الآخر، تحريم دخول الرجال على النساء، تحريم مسّ الرجل بدن الأجنبية حتى المصافحة للسلام، تحريم تشبّه أحدهما بالآخر.
ومن قواعد الشرع المطهر أن الله إذا حرّم شيئاً حرم الأسباب والطرقَ والوسائل المفضية إليه، تحقيقاً لتحريمه، ومنعاً من القرب من حماه، قال تعالى: وَلاَ تَقْرَبُواْ الزّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً [الإسراء:32]، يقول أحد العلماء: والنهي عن قربان الزنا أبلغ من النهي عن مجرّد فعله؛ لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه، فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، يقول ابن القيم رحمه الله: "واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا"[1].
عباد الله، إن من حرص الشارع عن التباعد بين الرجال والنساء وعدم الاختلاط بينهم أن رغّب في ذلك حتى في أماكن العبادة، كالصلاة التي يشعر المصلي فيها بأنه بين يدي ربه بعيداً عما يتعلق بالدنيا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)) رواه مسلم[2]، وما ذاك إلا لقرب أول صفوف النساء من الرجال فكان شرَّ الصفوف، ولبعد آخر صفوف النساء من الرجال فكان خيرَ الصفوف، قال النووي رحمه الله: "وإنما فُضِّل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهنّ عن مخالطة الرجال، وذُمّ أولُ صفوفهن لعكس ذلك"[3]. وعندما خرج رسول الله من المسجد فرأى اختلاطَ الرجال بالنساء في الطريق قال للنساء: ((استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحْققن الطريق، عليكن بحافَّات الطريق))، فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبَها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. رواه أبو داود[4]. وعلى هذا صارت نساء المسلمين لا عهد لهن بالاختلاط الرجال، وأخبر رسول الله أن صلاتها في بيتها خير من صلاتها في مسجدها فقال رسول : ((لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خير لهن)) أخرجه أحمد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما[5].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم..
--------------------------------------------------------------------------------
[1] الطرق الحكمية (ص407).
[2] أخرجه مسلم في الصلاة (440).
[3] شرح صحيح مسلم (4/159-160).
[4] أخرجه أبو داود في الأدب (5272) من حديث أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه، وهو أيضا عند الطبراني في الكبير (19/261)، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (4392).
[5] أخرجه أحمد (2/76)، وكذا أبو داود في الصلاة (567)، والبيهقي (3/131)، وصححه ابن خزيمة (1684)، والحاكم (755)، وابن عبد البر في التمهيد (23/395)، ونقل الشوكاني في النيل (3/95) تصحيح العراقي، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (530). وأصل الحديث في الصحيحين وليس فيه: ((وبيوتهن خير لهن)).
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدَ الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ الصابرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله.
ومن حِرص الشارع على عدم الاختلاط منعُ المرأة إذا خرجت للمسجد أن تتطيَّب له، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة)) رواه مسلم[1]، ولما رأت عائشة رضي الله عنها التغيّر الذي حدث في أحوال النساء بعد عصر النبوة قالت: لو أن رسول الله رأى ما أحدث النساءُ لمنعهنَّ المسجدَ كما مُنعت نساءُ بني إسرائيل. أخرجه مسلم[2]. وهذا في زمن عائشة رضي الله عنها وعهدُ النبوة قريب، فكيف بهذا الزمن الذي كثر فيه الفساد، وظهر فيه التبرج، وشاع فيه السفور، وقلّ فيه الورع؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول ابن القيم رحمه الله: "ولا ريبَ أن تمكينَ النساء من اختلاطهن بالرجال أصلُ كلِّ بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سببٌ لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتَّصلة، ولمَّا اختلط البغايا بعسكر موسى وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون، فمات منهم في يوم واحدٍ سبعون ألفاً" انتهى كلامه رحمه الله[3].
ألا وصلوا ـ عباد الله ـ على رسول الهدى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...
--------------------------------------------------------------------------------
[1] أخرجه مسلم في الصلاة (444).
[2] أخرجه مسلم في الصلاة (445)، وهو في البخاري أيضا: كتاب الأذان (869).
[3] الطرق الحكمية (407-408).
أما الرابط الصوتي لها .
فالسرفر عندي رايح فيها وسوف ننقلها اذا تعدلت الاوضاع .
ضيف خفيف
22-10-2002, 06:04 PM
وهذا الرابط الصوتي لخطبة المدينة :
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=16602&scholar_id=216&scholar
ضيف خفيف
22-10-2002, 06:05 PM
وهذا الرابط الصوتي لخطبة المدينة :
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=16602&scholar_id=216&scholar
وبالانتظار خطبة مسجد الاقصى المبارك
ضيف خفيف
26-10-2002, 08:28 PM
وكان خطيب هذا الاسبوع الماضي الذي قبل هذا الاسبوع وكان الشيخ يوسف جمعه سلامة وكانت خطبته عن وحدة الامة :
ملخص الخطبة
- فُرقة الأمة العربية. 2- مقدرات الأمة الإسلامية ومقوماتها. 3- أصابنا مرض الغثاء وتكالب علينا العدو. 4- جرائم اليهود بحق الأوقاف الإسلامية في فلسطين. 5- المستقبل للإسلام كما ورد في البشارات النبوية.
الخطبة الأولى
أما بعد:
يا أحبة الله، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ صدق الله العظيم. لقد أكرم الله البشرية برسالة سيدنا محمد ، هذه الرسالة التي ختم الله بها الرسالات وبها فضل الأمة الإسلامية وجعلها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، هذه الأمة الإسلامية التي تكونت بفضل الله تعالى ثم بجهد النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين معه، حيث أتوا على أمة مبعثرة ممزقة تتبع الشرق والغرب والفرس والروم عن طريق الغساسنة والمناذرة، فجمعهم ورتب صفوفهم وألف بين قلوبهم، وجعلهم خير الأمم بعد أن كانوا عباداً للصنم وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، هذه الأمة تملك إمكانات متعددة ومختلفة لو أحسنت استغلالها لكانت الرائدة كما كانت دائماً، من هذه الإمكانات والقدرات:
أولاً: القوة والقوة البشرية وهي القوة العددية، حيث إن الأمة الإسلامية تملك من البشر ما يزيد على المليار والربع من المسلمين المؤمنين بعقيدة التوحيد، منتشرين في قارات العالم الست، إن العبرة بالكيف لا بالكم، لكن الكم مهم أيضاً، لذلك نرى محاربة الغرب للمسلمين في نسلهم وفي عددهم، وفي ذلك يقول الله تعالى من باب الإنعام والفضل في سورة الأعراف وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ [الأعراف:86] صدق الله العظيم
ثانياً: القوة المادية والاقتصادية، إن الأمة الإسلامية تملك من خيرات الله الشيء الكثير، تملك الأرض الخصبة في السهول والوديان، تملك الجبال والهضاب، تملك البحار والبحيرات والأنهار العظام، تملك العيون والآبار، تملك مخزوناً كبيراً من المياه الجوفية، حيث إن الحروب المقبلة ستكون على المياه، تملك معظم المعادن التي يحتاجها العالم المعاصر، وتملك مخزون العالم من النفط، إنها تملك الأموال والسوق والعقول وتملك الشيء الكثير. لكن أين موقع هذه النعم وهذه الأموال؟
ثالثاً: القوة الروحية، إن الأمة الإسلامية أمة ذات عقيدة واضحة ندعو إليها ونحيا من أجلها ونلقى الله إن شاء الله عليها، هذه العقيدة الصافية جاءت شاملة كاملة وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتابَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء [النحل:89]، عقيدة تربي الأخلاق وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، عقيدة تقوم على الوسطية وَكذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143]، إن العالم اليوم بحاجة إلى العقيدة الإسلامية لتأخذ بيده من الظلام إلى النور، من الخوف والضياع إلى الأمن والاستقرار، من الفساد الخلقي والاجتماعي إلى الأمن والأمان والحياة الكريمة الطيبة..
أيها المسلمون، أيها المؤمنون، إن الأمة الإسلامية يجب عليها أن تحسن استخدام هذه القوى والنعم في طاعة الله ورسوله لأنه لا مكان للضعفاء ولا للمتفرقين ولا للمتنازعين، لننظر إلى من حولنا لنرى بأن أوروبا وأمريكا ـ بعد أن سقط الاتحاد السوفيتي وبعد أن أصبحت أمريكا هي القطب الوحيد ـ يقول الغرب: ليس لنا عدو الآن إلا الإسلام، وصوره بأنه دين الإرهاب وأنفقوا الملايين ليقوموا بإعداد فيلم الحصار الذي يصور الإسلاميين بأنهم جماعة من القتلة ومصاصي الدماء، ونسوا أو تناسوا جرائمهم البشعة وقتل الأطفال والأبرياء وتشريد الشعوب، الشعب الفلسطيني والشعب البوسني في كوسوفا وكافة بقاع العالم، إنهم يريدون أن يشوهوا وجه الإسلام المشرق، فما رحل المحتل البغيض من منطقة إلا وترك فيها بؤراً للنزاع والتناحر كما يجري حالياً في كشمير بين باكستان المسلمة والهند.
إن الأمة الإسلامية أمة عظيمة فيه ملتقى القارات ومنبع الحضارات ومهبط الرسالات هذه الأمة التي كانت الرائدة وطأطأ لها الشرق والغرب احتراماً وإجلالاً ما بالها أصبحت اليوم في العالم الثالث في الدول النامية، ولو كان هناك عالم عاشر ومائة لكانت فيه، لقد أخرج الإمام أبو داود في سننه عن ثوبان أن قال صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: إنكم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل وليقذفن الله في قلوبكم الوهن قلنا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)).
هذا الحديث يتحدث عن مؤامرة دولية ضد الإسلام تتداعى فيها قوى العالم ضد المسلمين الذين أصبحوا لقمة ضائعة لكل جائع أو طامع، والواقع يقول بذلك، حيث اجتمع علينا الشرق والغرب واليمين واليسار وأهل الكتاب وأهل الإلحاد كما قال الله تعالى: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [المائدة:50]، فلا بد للأمة أن تصحو من غفلتها وأن تستيقظ من سباتها وأن تعتصم بحبل ربها وأن تعمل بسنة نبيها حتى يكرمها الله تعالى كما أكرم المسلمين من قبل.
انظروا أيها الأخوة إلى ما يحدث على أرض فلسطين من أعمال بشعة ومن إجراءات ظالمة، أعادوا فتح ملف جبل أبي غنيم، هذا الجبل العزيز علينا الذي أوقفه عمر على الصحابي أبي الجليل عياض بن غانم رضي الله عنهم أجمعين، وسمي الجبل أبي غنيم، هذا وقف إسلامي ليس لغير المسلمين حق فيه، ليعلم ذلك القاصي والداني ثم جاءت مستوطنة رأس العامود، وهذه الخطوة الإجرامية وكلها خطوات إجرامية، التي يقف خلفها المليونير اليهودي مسكوفيتش لإقامة بؤرة استيطانية في قلب مدينة القدس.
ويدافع الفلسطينيون عن أرضهم، وبالأمس كانت مواجهات يومية يتصدى فيها المرابطون من هذه البلاد الذين يدافعون عن شرف المسلمين في أرجاء المعمورة، أين أصحاب الملايين من العرب؟ أين أصحاب الملايين من المسلمين؟ في حدائق الحيوانات؟ أم للهو والفجور؟ أم للغانيات والمطربات؟ أو للزنا وإرتكاب المحرمات؟ لماذا لا يُدعم المقدسيون الذين يتعرضون يومياً للقتل والتشريد وهدم البيوت ومصادرة الهويات؟ لماذا لا يدعم الفلسطينيون الذين هم في رباط إلى يوم القيامة؟ إننا نعلنها ومن على منبر المسجد الأقصى المبارك ليسمعها كل العالم، ليسمعها الجميع: لا لتهويد القدس ولا لتدويل القدس، القدس عربية إسلامية، وكانت وما زالت وستبقى بإذن الله إلى يوم القيامة.
أيها الأحبة في الله، يجب علينا أن نتحابب وأن نتعاضد، يجب علينا أن نرص الصفوف وأن نجمع الشمل وأن نوحد الكلمة، ونحن أمام عدو لا يرحم صغيراً ولا يوقر كبيراً، لنتناسَ الخلافات فيما بيننا ونعاهد الله على السير على نور كتابه الكريم وهدى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عسى أن تدركنا رحمة الله عز وجل. الحديث الشريف جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يدٌ على من سواهم)).
ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة فيا فوز المستغفرين استغفروا الله...
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعينيا أحبة الله، رغم الجراح المؤلمة ورغم الظروف القاسية ورغم ما نراه ونسمعه في هذا العالم من ظلم واستبداد وكيل بمكيالين إلا أن ثقتنا في الله كبيرة، إن ثقتنا في الله عظيمة، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة فيها الخير وفيها ما يطمئن القلوب ويبعث الأمل في النفوس، أنه إن شاء الله سيكون المستقبل لهذا الدين، فالليل مهما طال فلا بد من بزوغ الفجر، وإن الفجر آت بإذن الله.
من هذه المبشرات ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله سئل: يا رسول الله أي المدينتين تفتح أولاً قسطنطينية أم روميا؟ قال: ((مدينة هرقل تفتح أولاً)).
روميا هي روما عاصمة إيطاليا والقسطنطينية هي استنبول حالياً، والتي عرفت في التاريخ الإسلامي باسم إسلام بول، يفهم من السؤال أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا قد علموا بأن المدينتين ستفتحان، لكنهم يريدون أن يعرفوا أي المدينتين قبل الأولى، فكان الجواب مدينة هرقل: القسطنطينية التي فتحها القائد المسلم محمد بن مراد المعروف في التاريخ باسم القائد محمد الفاتح، وللعلم فإنه في التاريخ الميلادي يوافق غداً السبت 29 من شهر مايو آيار ذكرى فتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح رحمه الله، وبهذه المناسبة يتذكر المسلمون الأتراك هذه الذكرى، هذا الفتح العظيم كان بعد قرنين من دخول التتار بغداد وسقوط الخلافة، وظن الناس أن الإسلام قد هوى إلى الحضيض وإلى (حيث ألقت رحلها أم خثعم) ونسوا أن الإسلام لن ينتهي من هذه الدنيا لأنه يوم أن ينتهي لن تكون هناك دنيا لأن الشمس ستنطفئ والنجوم ستنكدر والحصاد الأخير سيطوف العالم أجمع هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:23]..
وأما البشارة ثانية فقد رواها الإمام أحمد في مسنده عن حذيفة بن اليمان أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((ستكون فيكم النبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها ما شاء الله أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة … ثم تكون ملك عاضّاً ثم ملكاً جبرياً ثم تعود خلافة على منهاج النبوة ثم سكت)).
هذا يبين بأن الخلافة آتية وأن الإسلام قادم رغم المشككين، رغم الحاقدين، رغم أعداء الإسلام كلهم.
وأقف عند البشارة الأخيرة وبها أختم، وهي قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ولعدوهم قاهرين حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)) أخرجه الإمام البخاري. وفي رواية لأحمد ((لا يضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من لأواء حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)) قيل: يا رسول الله وأين هم؟ قال: ((ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس)).
فيا أيها المسلمون، لقد كرمكم الله بفضل المرابطة في هذه البلاد، أنتم المرابطون، أجركم عند الله عظيم وكما جاء في الحديث: ((ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الجنة)) وقد قال الشاعر:
ومن يخطب الحسناء *********** لـم يغلـه المهـر
فلسطين غالية والأقصى غالي ونفيس، فلا بد أن نصبر وأن نصابر حتى يأتي الله بالفرج أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ فلا بد من الصبر، فما بعد الضيق إلا الرخاء، وما بعد العسر إلا اليسر، ولن يغلب عسر يسرين فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح:5، 6]، فلا بد أن نتحلى بالأخلاق الفاضلة والآداب الكريمة.
ويؤسفنا ما نسمعه أحياناً من اختطاف لأناس أبرياء من أجل ابتزازهم ودفع الأموال، يؤسفنا وجود بعض الشباب المائع الذي يعاكس الفتيات في شوارع مدينتنا الغالية وفي بعض الأماكن، يؤسفنا أن نرى بعض الأمور التي تخالف شرع الله عز وجل، فلا بد أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر وكما قال الله تعالى: فَذَكّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ [الفجر:21، 22].
فلنتحابب ولنتعاضد ولنجمع الشمل عسى أن تدركنا رحمة من الله، فنحن في أيام مصيرية وفي أوقات عصيبة أحوج ما يكون فيها شعبنا إلى الألفة والرحمة ((ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء))، ((ومن لا يرحَم لا يُرحم)).
ضيف خفيف
31-10-2002, 06:42 PM
خطبة المسجد الحرام :
الشيخ / صالح بن حميد .
عنوان الخطبة / الحكم العظام في توقيت أهل الإسلام
ملخص الخطبة
1- أهمية الوقت وعظمه. 2- الاتعاظ بمرور الأوقات. 3- حساب أهل الإسلام. 4- من يسر الشريعة الإسلامية. 5- علامة دخول الشهر وخروجه. 6- لا تعارض بين العقل والنقل ولا بين العلم والدين. 7- البشارة بقدوم شهر القرآن. 8- مسألة اختلاف المطالع ووحدة الأمة. 9- حقيقة العيد في الإسلام.
الخطبة الأولى
أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله رحمكم الله، فالأيام قلائل، والأهواء قواتل، فليعتبر الأواخر بالأوائل، من كان الموت طالبَه كيف يلذّ له قرار؟ ومن كان رحيله إلى الآخرة فليست له الدنيا بدار. بنو آدم فرائس الأحداث، وغرائس الأجداث، لقد صدق الزمان في تصريفه وما كذب، وأرى الناس في تقلباته العجب، فبادروا ـ رحمكم الله ـ أيامكم قبل هجوم الفاقرة، واستعدوا للقدوم إلى الآخرة، فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ [النازعات:12، 13].
أيها المسلمون، الوقت هو ظرف الزمان الذي يعيش فيه الأحياء، وتسير فيه الحياة من المولد حتى الممات، في كل لحظة من لحظات هذا الزمن تخلع الموجودات قديمها، وفي كل آن من آنائه تلبس جديداً، يُقَلّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِىذلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِى الأَبْصارِ [النور:44].
الزمن يسير في اتجاه واحد لا يتوقف، الذاهب منه لا يُردّ، والقادم منه لا يُوقف ولا يُدفع، والإنسان هو المخلوق من بين المخلوقات الذي يشعر بالزمن، ويدرك حركته، ويبصر آثاره، ويلحظ مسيره. والناس في مدرسة الزمن بين غافل لا يرى للحياة لوناً، ولا يذوق لها طعمًا، لا يختلف أمسه عن يومه، ولا يومه عن غده، وآخرُ حيّ يقظ، يشهد آثار الزمن في نفسه، وفي كل مظهر من مظاهر الحياة والأحياء، تَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِى السَّمَاء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [الفرقان:61، 62].
القلوب اليقظة، تتجدّد فيها الحياة كلما دارت الأفلاك، وتتوثّب فيها المنافسة كلما سارت الكواكب.
معاشر المسلمين، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [الرحمن:5]، يجريان بدقة بالغة، ويسيران بانتظام مستمر، وقد هدى الله الإنسان لإدراك مسيرهما، لينظم أوقاته، ويعرف اتجاهاته، فعرف الأفلاك في دورانها، والنجوم في سيرها ومنازلها، وتقلّب الأيام في فصولها، صيفها وشتائها وخريفها وربيعها، وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءايَتَيْنِ فَمَحَوْنَا ءايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا ءايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَىْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً [الإسراء:12]. في تعاقب الشهور والأهلة مشهدُ الفناء على رؤوس الأحياء، تمضي الأيام وتمضي معها أشطار العمر وأجزاؤه، في تقلب الزمن وتجدّد الأيام ذكرى للقلب وموعظة للنفس ومزدجر البشر.
أيها المسلمون، ولقد كان لديننا من حساب الزمن موقفٌ واضح؛ إذ ربط ذلك بالهلال والأشهر الهلالية، فربط به حسابها وتقدير أوقاتها في أمور الدين والدنيا والتشريع، هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقّ يُفَصّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [يونس:5]، لقد قدر الله بمنّه ولطفه القمر منازل، وجعل له أحوالاً من الإهلال والإبدار، لنعلم عددَ السنين والحساب، فجاءت كثير من الأحكام والتشريعات مرتبطة بالأوقات، إِنَّ لصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَّوْقُوتاً [النساء:103]، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيناتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، يَسْـئَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ [البقرة:189]، وَءاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]، وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً [الأحقاف:15]، وَاللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّتِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:3]، عباداتٌ وأحكام موقوتة في مواقيت محدودة، مرتبطة بالزمن، وموقظة للشعور للمحاسبة، مع طلوع كل هلال تتجدَّد المشاعر، وتتجاوب النفوس مع مواقيت الأهلة ودورات الزمن، كلما أطلّ هلال سرت في نفوس المتعبِّدين المتفكّرين تأمّلات تبعث على تجديد الصلة بالله، وقوةٌ دَافقة تقود إلى سلوكٍ أقوم، ربِّي وربك الله يا هلال، هلال رشد وخير.
معاشر الإخوة، ارتبط حسابُ الزمن بالأهلة تيسيراً على العباد، أُقيم لأوقات العبادات علاماتٌ واضحة، لا يختص بمعرفتها فئة دون فئة، بل يشترك في إدراكها والعلم بها العامة والخاصة، فلم ترتبط بوسائل غامضة ولا بحسابات دقيقة، بل أُنيطت بأمور محسوسة، وعلامات مشاهدة، وكواكب سيارة، يعرفها المتعلم والأمي، والحاضر والبادي، ويهتدي بطلوعها وغروبها المكلَّفون أجمعون، من رؤيةٍ وطلوع وغروب وظلٍّ وزوال، لقد أُنيط ضبط كثير من الأمور الموقوتة المتعلِّقة بالعبادات والمعاملات بما تدركه فهوم عموم المكلَّفين، وما جرت عليه عاداتهم، ولم يكلَّفوا في شؤونهم العامة قوانين دقيقة، ولا مقاييس لا يدركها إلا مختصّون أو قلة من المختصين، والسر في ذلك أن الضبط للمواقيت مقياس تحضُّر الأمم، ولكن مزيدَ التدقيق في التوقيت تضييق وحرج، فإذا ما دقّت وسائل التوقيتات ضاق الحال على المكلَّفين.
من أجل هذا ـ أيها المسلمون ـ كان مدار الأحكام والتعاملات على أمور ميسَّرة يعرفها العامة والخاصة، وبناءً على ذلك فقد علَّق الشارع الأحكام المرتبطة بالأشهر على الأهلة بإحدى طريقتين: إما رؤية الهلال، وإما إكمال العدة ثلاثين، وهما طريقتان ميسّرتان، يعرفهما عموم الخلق، فهو ربط بأمر محسوس، يستوي في إدراكه جميع البشر، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فاقدروا ثلاثين)) أخرجاه في الصحيحين[1]، وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) رواه مالك وأبو داود والترمذي والنسائي[2]. والشهر الهلالي يكون تارة ثلاثين يوما، وتارة تسعة وعشرين يوما، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((الشهر يكون تسعاً وعشرين، ويكون ثلاثين، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) أخرجه الشيخان وغيرهما[3]. وأصحّ المعلومات ما شوهد بالبصر، وسمِّي الهلال هلالاً لظهوره وبيانه، والحكم مبنيٌ على رؤية الهلال بالبصر، لا على ولادته، ولا على وجوده في السماء، فإن لم يُرَ بالبصر أكمل الناس عدةَ الشهر ثلاثين يوماً، ففي الحديث الصحيح: ((فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين))[4]، وهو توجيه جليّ، لأن الهلال إذا لم يُر بسبب حائلٍ من غمام أو غبار فإن المطلوب إكمال ثلاثين يوماً، ولا يتكلّف المسلمون أكثر من ذلك. والرؤية شيء حسِّيّ عملي، وليست فكراً ولا حساباً، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "وكان من هديه أن لا يدخل في صوم إلا برؤية محقّقة أو بشهادة شاهد واحد، فإن لم يكن رؤية ولا شهادة، أكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً"[5].
وقد تواترت الأحاديث بالأمر بصيام رمضان إذا رئي هلال رمضان، والفطر إذا رئي هلال شوال، وإتمام العدة ثلاثين إذا لم يُر الهلال، فالحكم متعلّق بالرؤية، على أنه من المعلوم المتقرّر لدى أهل العلم خاصة ولدى أهل الإسلام عامة أن النصَّ الصحيح لا يعارض العقلَ الصريح، وأن حقائق الدين لا تتعارض مع الثابت من حقائق العلم حتى قال الإمام الشاطبي رحمه الله: "كل معنًى لا يستقيم مع الأصول أو القواعد العقلية القطعية لا يُعتمد عليه، كما أن الشهادة إذا اقترن بها ما يكذّبها من المنافاة لبداهة العقل أو حقائق العلم فإنها تردّ". ومع وضوح هذا وجلائه لكن يجب أن يعلم ويتقرَّر أن الحكمَ بأن هذا مصادمٌ للعقل أو معارض للمقطوع به من الحقائق أمرٌ دقيق، ولا يُقبل من كلّ أحد، ولا سيما بعض العقلانيين الذين يسارعون إلى مثل هذه الأحكام، فلا يؤخَذ منهم في مثل هذا رأي أو قول، بل لا يُقبل هذا إلا من أهل العلم والبصيرة، من الذين جمع الله لهم بين العلم الراسخ والفقه العميق والعقل الراجح مع الورع والتقوى وحسن التديُّن.
وبعد أيها المسلمون، ففي حسابنا أهل الإسلام وفي تقويمنا الهلالي لا يكاد شهرُ رجب يُقبل ومن ورائه شهر شعبان حتى يتنسّم المسلمون عبق شهر القرآن الفريد، ولا يكاد يطلّ على الناس هلاله حتى يغمر حياة أهل الإيمان نور الخشية والذكر الجميل.
هلالُ رمضان طلعة الوليد، وبشير الخير، ومشرق أنوار القرآن، وشذا نفحات الجنان، وواحة الاسترواح في صحراء الضعف والتقصير، وراحُ الأرواح بالصلاة والصيام والقيام والقرآن والذكر الحكيم، من أجل هذا تربّى المسلم أن يقول إذا رأى الهلال: هلال رشدٍِ وخير، هلال رشد وخير، هلال رشد وخير، آمنت بالذي خلقك، الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا، وجاء بشهر كذا، ربي وربك الله، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَءايَةٌ لَّهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرَْناهُ مَنَازِلَ حَتى عَادَ كَالعُرجُونِ الْقَدِيمِ لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:37-40].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] أخرجه البخاري في الصوم (1900)، ومسلم في الصيام (1080) بمثله إلا أن فيه: ((فاقدروا له)).
[2] أخرجه مالك في الموطأ (635)، وأبو داود في الصوم (2327)، والترمذي في الصوم (688)، والنسائي في الصيام (2124)، وقال الترمذي: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، وقد روي عنه من غير وجه"، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (555).
[3] أخرجه البخاري في الصوم (1909)، ومسلم في الصيام (1081)، وليس فيه عندهما أن الشهر يكون هكذا وهكذا، وهذا لفظ النسائي في الصيام (2138).
[4] هذا أحد ألفاظ حديث ابن عباس المتقدم، أخرجه أبو داود في الصوم (2327).
[5] زاد المعاد (2/28-29).
الخطبة الثانية
الحمد لله بنى السماء فأحكم ما بنى، أحمده سبحانه وأشكره أجزل العطاء لمن كان محسِنا، وغفر الذنب لمن أساء وجنى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مسرًّا ومعلنًا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله دعا إلى الله فما ضعف وما ونى، صلـى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه أهل العز والسنا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: اختلافُ مطالع الأهلة بين البلدان والأقاليم أمر متقرِّر عند أهل الشأن، ولكن أهل العلم رحمهم الله اختلفوا إذا رئي الهلال في بلد أو إقليم فهل يلزم جميع البلدان الصيام؟ فذهب جمهور أهل العلم إلى أن لكل قوم رؤيتهم، وذهب طوائف من أهل العلم إلى القول بلزوم الصوم على الجميع، والأمر في هذه المسألة واسع، والاجتهاد فيها فسيح، غيرَ أنه لا ينبغي التهويل ولا الإرجاف في أن اختلاف الأقطار الإسلامية في يومي الصوم والإفطار مدعاة للتفكّك والنزاع، فالدعوة إلى وحدة المسلمين واتحادهم أمرٌ غير مختلَف عليه، بل ومن أعظم المطالب الشرعية، وينبغي على أهل العلم والدين والفكر والرأي تكريس الجهد وتكثيف العمل من أجل هذه الوحدة العظيمة، ولكنَّ اختلاف المسلمين في يوم صومهم ويوم فطرهم لا أثر له في هذا المطلب السامي، لأن المسلمين كانوا متّحدين مع اختلافهم في وقت دخول الشهر وخروجه، فهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في مدينة رسول الله لم يوافق معاوية رضي الله عنه في الشام في يوم الدخول ولا في يوم الخروج، ولم تتفرّق القلوب، ولم يتشتّت شملُ الأمة الموحدة، والوحدة الإسلامية لا تتمّ بارتجالية الفكر، ولا بعاطفة الشعور. إن من الجميل والأولى الاشتغال بما يجمع الكلمة من الحكم بشرع الله، ورسم طريق الإصلاح، وسلامة القلوب، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتربية أبناء المسلمين على منهج الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة.
وهناك ـ أيها المسلمون ـ أمر آخر مرتبط بهذه المسألة، ذلك أن أعياد المسلمين ليست مهرجانات لمظاهر الأفراح، ولكنها إلى جانب ذلك هي أعياد يُراعى فيها الانقياد والطاعة، فهي فرحة وعبادة يؤديها المسلمون ويمارسونها طاعة لله، وَلِتُكَبّرُواْاللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [البقرة:185]، لا حسب الأهواء والرغبات والمصالح، والتوجيه الشرعي صريح: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروا الهلال، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين))[1].
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واستقيموا على الطاعات، وتأملوا في حِكَم التشريع.
ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير نبيكم محمد المصطفى ورسولكم المجتبى، فقد أمركم بذلك ربكم جل وعلا فقال في محكم كتابه قولاً كريماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد نبي الرحمة والملحمة، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين...
وهذا الرابط الصوتي لها :
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=16922&scholar_id=216&scholar_name=%CE%D8%C8+%C7%E1%CD%D1%E3%ED%E4+%C7%E 1%D4%D1%ED%DD%ED%E4&scholar_directory=haramain
ضيف خفيف
31-10-2002, 07:00 PM
ملخص الخطبة
1- الغاية العظمى. 2- فضائل كلمة التوحيد. 3- كلمة التوحيد لا ينفع مجرد النطق بها. 4- حقيقة "لا إله إلا الله" ومدلولها. 5- صفات الموحد لله تعالى. 6- لا نجاة ولا عز إلا بالتطبيق الصحيح لكلمة التوحيد. 7- ضرورة تصحيح العقائد. 8- ثبات أهل التوحيد عند الشبهات والشهوات. 9- لا جامع إلا رابطة التوحيد. 10- مسؤولية أمة التوحيد.
الخطبة الأولى
معاشر المسلمين، لأجل تحقيق العبودية لله وحده خُلقت الخليقة وأُرسلت الرسل وأنزلت الكتب وشرعت الشرائع، وفيها افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء وأشقياء. فتحقيق العبودية لله وحده هو أصل الدين وأساسه ورأس أمره.
"لا إله إلا الله" موقعُها من الدين فوق ما يصفه الواصفون ويعرفه العارفون، كلمةٌ جليلة، ذات فضائل عظيمة وفواضل كريمة ومزايا جمّة، لا يمكن لمخلوق استقصاؤها ولا حصرها، لها من المكانة ما لا يخطر ببال، ولها من المزايا ما لا يدور في خيال.
هي زبدة دعوة الرسل وخلاصة رسالتهم، وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا اله إِلاَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطاغُوتَ [النحل:36].
"لا إله إلا الله" هي العروة الوثقى التي من تمسَّك بها نجا وربح، ومن أخلّ بها هلك وخسر، فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطـٰغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة:256].
كلمة التوحيد هي منتهى الصواب وغايتُه، وأفضل الكلم وأجلُّه، قال جل وعلا: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَلْمَلائِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمان وَقَالَ صَوَاباً [النبأ:38]. قال ابن عباس رضي الله عنه: (الصواب: لا إله إلا الله)[1].
"لا إله إلا الله" هي أفضل الحسنات وأجلُّ القربات، قال جل وعلا: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا [النمل:89]، ثبت في المسند أن أبا ذر رضي الله عنه قال للنبي : أفمنَ الحسنات "لا إله إلا الله"؟! قال: ((نعم، هي أحسن الحسنات))[2].
"لا إله إلا الله" أفضلُ الأعمال وأكثرها تضعيفاً، في الصحيحين عن النبي أنه قال: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومُحي عنه مائة سيئة، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك))[3].
هذه الكلمة لو وُزنت بالسماوات والأرض لرجحت بهن عند الله جل وعلا، في المسند بسند حسن عن النبي أنه قال: ((إن نوحاً قال لابنه: آمرُك بـ"لا إله إلا الله" فإن السماوات السبع والأرضين لو وضعت في كفة ووضعت "لا إله إلا الله" في كفة لرجحت بهن "لا إله إلا الله"، ولو أن السماوات السبع [كنَّ] حلقة مبهمة لقصمتهنَّ "لا إله إلا الله"))[4].
من فضائلها أنها ليس لها دون الله حجاب، بل تخرق الحجبَ حتى تصل إلى الله جل وعلا، ففي الترمذي بإسناد حسن عن النبي أنه قال: ((ما قال عبد: لا إله إلا الله مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء، حتى تفضيَ إلى العرش ما اجتُنبت الكبائر))[5].
"لا إله إلا الله" نجاة لقائلها من النار، ففي صحيح مسلم أن النبي سمع مؤذناً يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول : ((على الفطرة))، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله : ((خرج من النار))[6].
وفي الصحيحين من حديث عتبان أن النبي قال: ((إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله))[7].
"لا إله إلا الله" هي أفضل الذكر وأعظمه، جاء في الترمذي بسند حسن أن رسول الله قال: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله))[8].
من قالها خالصاً من قلبه كان من أسعد الناس بشفاعة رسولنا ، في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله : ((لقد ظننتُ ـ يا أبا هريرة ـ أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أوَّل منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعدُ الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه))[9].
إخوة الإسلام، ومع هذه الأجور الكريمة والفضائل العظيمة والثمار النافعة في الدنيا والآخرة فلا بدّ أن يعلم المسلم أن "لا إله إلا الله" لا تُقبل من قائلها بمجرّد نطقه لها باللسان فقط، بل لا بد من أداء حقها وفرضها، واستيفاء شروطها الواردة في الكتاب والسنة، جاء عن الحسن البصري رحمه الله أنه قيل له: إن ناساً يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة!! قال: "من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة"[10]، وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: "ما أعددت لهذا اليوم؟" قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة، فقال الحسن: "نِعم العدّة، لكن لـ"لا إله إلا الله" شروط، فإياك وقذف المحصنات"[11]، وقال وهب بن منبِّه لمن سأله: أليس مفتاح الجنة "لا إله إلا الله"؟! قال: "بلى، لكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن أتيتَ بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإلا لم يفتح"[12].
معاشر المؤمنين، إن كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" لا تكون مقبولة دون قيام من العبد بحقيقة مدلولها، وتطبيقٍ لأساس مقصودها، من نفي الشرك ومن إثبات الوحدانية لله، مع الاعتقاد الجازم بما تضمنته من ذلك والعمل به، فبذلك يكون العبد مسلماً حقاً، وبذلك يكون من أهل هذه الكلمة.
إن هذه الكلمة العظيمة تضمَّنت أن ما سوى الله ليس بإله، وإن إلهية ما سواه أبطل الباطل، وإثباتها أظلم الظلم ومنتهى الضلال ذلك بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ [الحج:62].
إن لـ"لا إله إلا الله" مدلولاً لا بد من فهمه، ومعنىً لا بد من ضبطه، إذ غير نافعٍ بإجماع أهل العلم النطقُ بهذه الكلمة من غير فهم لمعناها ولا عمل بمقتضاها، كما قال جل وعلا: وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، قال أهل التفسير: "أي: إلا من شهد بلا إله إلا الله، وهو يعلم بقلبه ما نطق به لسانه".
"لا إله إلا الله" لا تنفع إلا من عرف مدلولَها نفياً وإثباتاً، واعتقد ذلك وعمل به، فمن قالها وهو يصرف أنواعاً من العبادة لغير الله كالدعاء والذبح والنذر والاستغاثة والتوكل والإنابة والرجاء والخوف والمحبة ونحو ذلك مما لا يصلح إلا لله من العبادات فهو مشرك بالله العظيم ولو نطق بـ"لا إله إلا الله".
"لا إله إلا الله" معناها الحقّ الذي جاء به محمد : لا معبود بحق إلا إله واحد، وهو الله وحده لا شريك له.
إن كلمة "لا إله إلا الله" ليست اسمًا لا معنى له، أو قولاً لا حقيقة له، أو لفظاً لا مضمون له، كما قد يظنُّه بعض الظانين الذين يعتقدون أن غايةَ التحقيق هو النطق بهذه الكلمة من غير إقامةٍ لشيء من الأصول والمباني، أو أن معناها هو إثبات الربوبية فقط، بل هي اسم لمعنى عظيم، وقولٌ له معنى جليل، هو أجلُّ من جميع المعاني في هذه الدنيا، وحاصله البراءة من عبادة كل ما سوى الله، والإقبال على الله وحده طمعاً ورغباً، إنابة وتوكلا، هيبة له وإجلالاً، محبة وخوفاً، رجاءً وتوكلا، دعاءً وطلباً، فصاحب "لا إله إلا الله" عند محمد رسول الله لا يسأل إلا الله، صاحب "لا إله إلا الله" لا يستغيث إلا بالله، لا يتوكَّل إلا على الله، لا يرجو غير الله جل وعلا، لا يذبح إلا لله، لا يصرف شيئاً من العبادة والخضوع والتذلل إلا لله وحده، مع الكفر بجميع ما يُعبد من دون الله، فالله جل وعلا يقول لسيد الموحدين وأفضل العالمين نبينا محمد : قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى [الزمر:11-15].
كلمة "لا إله إلا الله" كلمة التوحيد النقي والعقيدة الصافية التي تخرج بها النفوس من ظلمات الجهل، وتترفَّع بها عن أوحال الشرك، وتتطهَّر بها من دنس الخرافات والأوهام، إنها الكلمة التي بتحقيقها كما حقَّقها صحابةُ رسول الله يكون بتحقيقها العبدُ صادقًا في العبادة، مخلصاً في المحبة، تامَّ الذل والخضوع لربه، مصروفَ البصر والبصيرة عن الالتفات إلى ما سوى الواحد الديان.
إخوة الإسلام، الموحِّد لله المحقِّق للمعنى الحق لكلمة التوحيد، مشاعر قلبه وخلجات ضميره مرتبطة بربه، مؤتمرة بأوامره، منتهية عن نواهيه، يقف عند حدوده منتصبَ القامة مرتفع الهامة، رضاه في رضا ربه، وسخطه في سخط إلهه، حياته وآخرته حركاته وسكناته تعني الدينونةَ الكاملة لله وحده في الأمور كلها، كما قال الله جل وعلا لنبينا محمد : قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ العالمين لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162، 163].
معاشر المؤمنين، إن الحياة البشرية لا تصلح ولا تستقيم ولا ترتفع ولا تصبح لائقة بالإنسان إلا بـ"لا إله إلا الله"، وتطبيقِها في الحياة كلها، وبجوانبها جميعاً.
إن الأمة الإسلامية لا يعلو شأنها ولا تنجو من مصائبها ولا تصبح في خَير حالاتها إلا حين تتلقَّى من "لا إله إلا الله" تصوراتِها ومفاهيمَها، وقيمها وموازينَها، وشرائعَها وقوانينها، ولن تبلغ الأمة عزّا أو تحصّل سعادة إلا حين تحكّم المعاني الشاملة لهذه الكلمة في كل مجالاتها، وتخضع لها في أمور الحياة كلها.
لا يرتفع شقاءٌ عن الأمة ولا يزول همّ وغمّ يقع بها كما هو الآن إلا حين تستلهم منهجَ حياتها من "لا إله إلا الله"، وتنقاد ظواهرها وبواطنها بحقيقة هذه الكلمة في جميع أمورها.
أمة الإسلام، كلمة التوحيد تقضي أن على الأمة السيطرةَ على النفوس وبواعثها وغاياتها، إنها تعني توجيهَ المجتمعات الإسلامية في معاملاتها وأنظمتها، إنها تعني الهيمنة على الحياة في شتى ميادينها وأنشطتها، إن "لا إله إلا الله" تقضي أن تسلم المجتمعاتُ الإسلامية حكاماً ومحكومين، أن يسلموا الوجوهَ لله، وأن ينقادوا لأوامره، وأن يلتزموا ذلك في المنهج والعمل، وفقَ منهج كامل متكامل بكافة أنماط النشاط البشري، على نور من الله، ابتغاءَ مرضاة الله جل وعلا.
كلمة التوحيد من حقائقها أن تسير أنظمة المسلمين في جوانب حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، أن تسير وفق ضوابط هذا الدين، ووفق تعاليمه وأهدافه ومقاصده، كما أقام بذلك نبينا محمد دولة الإسلام العظمى.
كلمة التوحيد [توجب] على الأمة جميعاً أن لا يحكموا في أيِّ شأن من شؤونهم أو حال من أحوالهم أو نزاع من نزاعاتهم مع إخوانهم أو مع غيرهم، أن لا يحكموا إلا بشرع الله وسنة رسول الله ، فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً [النساء:65].
فيا أيها المسلمون، متى تراجع الأمة أوضاعَها؟! متى تستفيق من غفلتِها؟! متى تعلم أنها قد أسرفت على نفسها كثيراً بالبعد عن منهج الله وعن منهج رسوله ؟! متى يفيق قومٌ بنوا نظامهم الاقتصادي على الربا، وأقاموا نظامهم القضائي على غير شرع الله، بل على قوانين وضعية ودساتير بشرية؟! وإلى متى الاستغراق الكامل في الأهواء والشهوات، والتسمك بالقشور والماديات؟! فنبينا محمد لم يألُ جهداً حين قال: ((تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة)) أخرجه البخاري[13].
فيا أمة الإسلام، المسلمون اليوم أحوج ما يكونون إلى ما يردّ عليهم اعتزازَهم بإيمانهم وثقتهم بأنفسهم ورجاءَهم في مستقبل مشرق، تكون فيه كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، وكلمة الذين كفروا السفلى.
فعلى المسلمين جميعاً استشعار مسؤوليتهم وريادتهم، وإن أوَّل ما يجب أن يتوجَّه إليه الإصلاح تصحيحُ العقائد، وتنقيتها من المفاهيم المغلوطة، والتصورات الفاسدة، وتمييز الخبيث من الطيب، والسنة من البدعة، والصحيح من الخطأ، ومتى صحَّت العزائم وصدقت النوايا واستبان الطريق وسارت القافلة حينئذ ينتظم أمر الأمة، ويجتمع شملها، وتعزّ دولتها، وإلا فالسير والسعي بغير وقوف عند حود ربها وبغير معالم تنتهي إليها، فذلك لن يبني مجداً، ولن يعيد حقاً، ولن يُصلح أولى وأخرى، الَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيماـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ [الأنعام:82].
أمة الأسلام، إن أمة التوحيد مهما يمرّ بها من أسباب الضعف وعوامل الهزائم، ومهما علا حياتها من الغموم، وتمكّنت من أحوالها الهموم، فهي ثابتة على الحق عقيدةً وسلوكًا ونظامَ حياة، تدرك أنها مهما مرّ بها من أزمات وأزمات، ومهما حلّ بها من بلايا ونكبات، فلا يخالج في نفوس أبنائها شكّ في عقيدتهم، أو يساورهم ريب في صحة مبادئهم، إيماناً بالله وتصديقاً برسالة رسول الله ، قال جل وعلا: فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصّاـٰبِرِينَ [آل عمران:146]، وقال جل وعلا: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:139]، وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120].
أمةُ التوحيد تعلم أن ما يحلُّ بها من هزائم أو يقع بها من نكبات فما هي إلا من سنة الله في الابتلاء والتمحيص، كما قال ربنا جل وعلا: ذٰلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلـٰكِن لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4]، وَلِيُمَحّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكاـٰفِرِينَ [آل عمران: 141].
فالله الله ـ أمة التوحيد ـ من التخلي عن جانب من جوانب هذا الدين، أو التشكيك فيه أو الانفصال عن دوحته المباركة، فتلك الخسارة التي ما بعدها خسارة، ولن تنال الشرفَ بغير هذا الدين، ولن ترتقي إلى العز بغيره سلما.
أمة الإسلام، أعداء الأمة يكرّسون الجهود لقلب المفاهيم وإفساد التصورات، والسعي إلى تشكيك المسلمين في هذا الدين عقيدة وشريعة ونظامَ حياة، ألا فلنكن على ثباتِ الجبال الراسية في ديننا، ولنعدّ العدة لخطط الأعداء الحاقدين.
وفَّق الله الخُطى، ونصر من نصر هذا الدين، وأعزّ من به عزُّ الإسلام والمسلمين، آمين.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] أخرجه الطبري في تفسيره (30/24) من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وعزاه في الدر المنثور أيضا (8/401) إلى ابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات.
[2] أخرجه أحمد (5/169)، وكذا الطبري في تفسيره (8/110)، وابن حبان في الثقات (8/411)، وأبو نعيم في الحلية (4/217-218) من طريق شمر بن عطية عن شيخ من تيم عن أبي ذر، وعند أحمد: عن أشياخه عن أبي ذر، قال الهيثمي في المجمع (10/81): "رواه أحمد ورجاله ثقات، إلا أن شمر بن عطية حدث به عن أشياخه عن أبي ذر ولم يسم أحدا منهم"، قال الألباني في الصحيحة (3/361): "وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات غير أشياخ شمر فلم يسموا، لكنهم جمع ينجبر الضعف بعددهم"، وقال أبو نعيم: "وجوّده يونس بن بكير عن الأعمش"، ثم أخرجه بسنده عن يونس بن بكير عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر، قال الدارقطني في العلل (6/268): "وهم فيه يونس بن بكير على الأعمش، والصواب ما رواه الثوري وغيره عن الأعمش عن شمر بن عطية عن أشياخ من التيم عن أبي ذر، وقال موسى بن أعين عن الأعمش عن شمر عن أبي ذر لم يذكر بينهما أحدا".
[3] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3293)، ومسلم في الذكر (2691)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[4] أخرجه أحمد (2/169)، وكذا البخاري في الأدب المفرد (548) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وصححه الحاكم (154)، وقال الهيثمي في المجمع (4/219-220): "رواه أحمد ورجاله ثقات"، وصححه الألباني في الصحيحة (134).
[5] أخرجه الترمذي في الدعوات (5390)، وكذا النسائي في عمل اليوم والليلة (833) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (5648).
[6] أخرجه مسلم في الصلاة (382) من حديث أنس رضي الله عنه.
[7] أخرجه البخاري في الصلاة (425)، ومسلم في المساجد (33).
[8] أخرجه الترمذي في الدعوات (3383)، وكذا النسائي في عمل اليوم والليلة (831)، وابن ماجه في الأدب (3800) من حديث جابر رضي الله عنهما، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (846)، والحاكم (1834، 1852)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (2694).
[9] أخرجه البخاري في العلم (99).
[10] انظر: جامع العلوم والحكم (ص209-210).
[11] أخرج هذه القصة ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله (103)، وابن أبي شيبة في المصنف (7/246)، والرزاز في تاريخ واسط (ص145)، وليس عندهم قول الحسن الأخير، وانظر: جامع العلوم والحكم (ص209).
[12] علقه البخاري في الجنائز، باب: ما جاء في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله (ص210)، ووصله في التاريخ الكبير (1/95)، وأبو نعيم في الحلية (4/66) من طريق محمد بن سعيد بن رُمَّانة قال: أخبرني أبي قال: قيل لوهب فذكره.
[13] أخرجه البخاري في الجهاد (2887) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه.
أمة الإسلام، ليس إلا رابطة التوحيد جامعاً للقلوب المختلفة، ومؤلفاً بين الشعوب الإسلامية المتنافرة. جامعة التوحيد تتضاءل أمامها الشعارات القبلية والدعوات العنصرية والانتماءات الحزبية، وبها تتلاشى كل دعاوًى جاهلية، فالولاء لله ولرسوله، والأخوة بين الأمة أخوة إيمانية، والدين مصدر القوة والعزة، والتوحيد مناط الكرامة وحصن المنعة.
إن العالم يموج بموجاتٍ من الظلم والجور والفساد، وبألوان من الشهوات والملذات، انهيارٌ للقيم العالية والأخلاق النبيلة، تقاتلٌ على المصالح الخاصة والأنانيات المستحكمة، حروبٌ تستشري وأمراض تسري، مما تزداد الإنسانية معه كآبة وتحسُّرا.
فعلى الأمة الإسلامية أن تعلم أن مسؤوليتها كبيرةٌ أمام الله في هداية العالم كله، إلى الدين القويم والصراط المستقيم، وإلى الخير والصلاح الذي في دينها مستكين.
إنه لا بد أن تستيقن أنه لا حياة لها إلا بعقيدة التوحيد الخالص، بقاؤها مرهون بالحفاظ عليه، وفناؤها راجع إلى التفريط في مضامينه وحقائقه. تدوم أمة الإسلام بدوام التوحيد في قلوبها، وسريانه في واقعها، وتضمحلّ باضمحلاله من نفوسها وزواله من حياتها، والدين بحقائقه ومضامينه هو المنهج الأوحد الذي يرفع الأمة عن مهاوي الرذيلة إلى مشارف الفضيلة، وهو الذي ينقلها من الذل والاستعباد والتبعية إلى العزة والكرامة وصحيح الحرية.
أيها المسلمون، من أفضل الأعمال وخيرها وأزكاها عند ربنا جل وعلا الصلاة والسلام على النبي الكريم، فأكثروا من الصلاة والسلام عليه خاصة في هذا اليوم العظيم.
وأما الرابط الصوتي لها :
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=17048&scholar_id=216&scholar_name=%CE%D8%C8+%C7%E1%CD%D1%E3%ED%E4+%C7%E 1%D4%D1%ED%DD%ED%E4&scholar_directory=haramain
ضيف خفيف
31-10-2002, 07:10 PM
ملخص الخطبة
1- بعض خصائص شهر رمضان. 2- كيف ينبغي أن نستقبل رمضان. 3- أحوال المسلمين في رمضان. 4- من حكم الصوم تذكر أحوال الجياع. 5- جرائم يهودية لا تنتهي. 6- ظاهرة تفشي المخدرات في ظل سيطرة الاحتلال الإسرائيلي.
الخطبة الأولى
أيها المؤمنون، روى الإمام البيهقي في "شعب الإيمان" عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: ((أيها الناس، قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتقاً لرقبته من النار، وكان له مثل أجره، من غير أن ينقص من أجره شيء)).
قلنا: يا رسول الله، ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على مِزقة لبن أو تمرة أو شربة من ماء، ومن أشبع صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة، وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخرة عتق من النار))[1] صدق سيدي رسول الله.
أيها المؤمنون، ها هو شهر رمضان قد أقبل، ورمضان خمسة أحرف، فالراء منه نسأل الله أن تكون رحمة، والميم مغفرة، والضاد ضماناً للجنة، والألف أمانا من النار، والنون نورا من الله العزيز الغفار.
وهكذا يمر موكب الأيام وكأن لم يكن بين الرمضانين إلا عشية أو ضحاها، ها هو شهر رمضان قد أقبل، فبأي شيء نستقبل هذا الشهر الفضيل؟ إننا لو زارنا أحد قادة الدول نستقبله ونفرش له الورود، والزهور والرياحين، وقد يكون كافراً فكيف نستقبل رمضان وهو زائر كريم من رب كريم رؤوف رحيم؟ إنه ضيف عزيز من الله تبارك وتعالى. هل أعلنا كلمة القرآن عالية، هل أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر؟ هل احتشمت نساؤنا؟ هل سنترك رمضان يأتي غريباً ويعود إلى الله غريباً؟ فلا نصلح فيه أحوالنا، هل سيشهد رمضان لنا؟
عباد الله، صحيح أن رمضان يحل علينا وأحوال الأمة سيئة تتكالب عليها قوى الشر والعدوان، ولكن كما تعرفون، فشهر رمضان شهر الانتصارات الإسلامية ألم تنتصر جيوشكم في مواطن كثيرة، ألم ينتصروا في يوم بدر، ألم تقرؤوا قول الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران:123]، ألستم معي أن أعداءكم يحسبون لكم ألف حساب في شهر رمضان؟ أتعرفون لماذا أيها المؤمنون؟ لأنكم تتقربون فيه إلى الله تبارك وتعالى، تقرؤون كتابكم وقرآنكم وتعملون به، بنية صادقة، والمساجد تكون عامرة بإذن الله، لأنكم تتوبون إلى الله تبارك وتعالى، ولا ترتكبون المعاصي والآثام، لأنكم تخرجون صدقات أموالكم، وتتفقدون فقراءكم من الأرامل والأيتام وأسر الشهداء، لأنكم تصلون الصلوات في أوقاتها، وتحضرون صلاة التراويح وقيام الليل، فتزدادون إيماناً وصدقاً ويقيناً وقرباً من الله تبارك وتعالى، فقلوبكم تكون عامرة بذكر الله، مطمئنة بمحبته وطاعته. أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].
أيها المؤمنون، كيف يقضي الناس رمضان الآن؟ يقضونه بالحفلات والموسيقى والأفلام والأغاني، هل أنزل الله تبارك وتعالى القران في رمضان أم أنزل فيه الأفلام والمسرحيات؟ هل أنزل الله القران في رمضان لنجعل منه شهر ترفيه لا شهر توجيه؟! لقد ضعف الإيمان في قلوب بعض الناس.
إن كثيراً منا لم يحترموا هذا الشهر الكريم، ولم يقدروه حق قدره، كثير منا يمضى نهاره بالنوم والكسل والغفلة عن ذكر الله وتلاوة كتابه، ويذهب ليله بالسهرات والمقاهي والملاهي، والإعراض عن طاعة الله عز وجل، فهل نحن آمنون من مكر الله، هل نحن آمنون من عقوبته هل نحن مخلدون في هذه الحياة؟ إن المنايا كل يوم تختبر النفوس، والآجال كل لحظة تقربنا إلى دار الجزاء والمقام، كم ارتحل أقوام من قصورهم ولذاتهم وبهجتهم وفارقوا إلى قبور موحشة ولحود مظلمة ، ولن يجدوا إلا عملهم الصالح ولن يغني عنهم ما كانوا يجمعون، كم تناولوا من الحرام، والآثام، ووعظوا بفصيح الكلام، وكأنهم لا يسمعون.
أيها المؤمنون، لما ولى نبي الله يوسف عليه السلام خزائن مصر كان يصوم يوماً ويفطر يوم، فقيل له: يا نبي الله لم تكثر من الصيام وقد جعل الله خزائن الأرض تحت يديك، قال عليه السلام: (لأنني أخشي أن أشبع فأنسى الجائع)[2] إن الذين ينامون ملء عيونهم ويأكلون ملء بطونهم لا يدرون ماذا يحدث للأمعاء الجائعة لذلك نادى الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عليه وقال: الأكباد الجائعة أولى بالصدقات من بيت الله الحرام.
أيها المؤمنون، الذين لا يصومون لا يجوعون، الذين لا يجوعون قساة القلوب غلاظ الأكباد، الذين لا يشعرون بـالجوع لا يشعرون بآلام الجياع، نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل أول هذا الشهر صلاحاً، وأوسطه فلاحاً، وآخره نجاحاً، اللهم أسمعنا فيه ما يسر نفوسنا، وثبت علينا ديننا وعقولنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، اللهم أيقظنا من سِنة الغفلة وارحم غربتنا في القبور، وآمنا يوم البعث والنشور، وارحمنا برحمتك يا أرحم الرحمين.
[1] ضعيف أخرجه ابن خزيمة (1887) وغيره عن سلمان رضي الله عنه.وفي إسناده علي بن زيد بن جُدعان, وقد ضعفوه.
[2] ذكره البيهقي في الشعب(5/37) والأصبهاني في الحلية(6/273)، من كلام الحسن البصري.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، ونشهد أن سيدنا محمداً رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على عبدك ورسولك النبي الأمي وآله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، أيها المؤمنون، في الوقت الذي تواصل فيه قوات الاحتلال حربها المبرمجة ضد أمتنا بمواصلة سياسة الاغتيالات والتصفيات وهدم المنازل وقتل الأبرياء ورسم الخريطة السياسية لمستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة بعد إتمام مشروع الفصل أحادي الجانب وتعمل على تكريس احتلالها لمدينة القدس وتهويدها وإسقاطها من مبدأ المفاوضات نهائياً بعد أن أخذت الضوء الأخضر والمبارَكة من إعلان الإدارة الأمريكية وتوقيع رئيسها بأن القدس هي عاصمة إسرائيل، أي أنها غير قابلة لمبدأ التفاوض.
وفي الوقت الذي تواصل فيه الإدارة الأمريكية الاستعدادات العسكرية للعدوان المميت على العراق الشقيق بمؤازرة ودعم قوى الظلم والعدوان وفي مقدمتها بريطانيا الحاقدة، نجد أن أمتنا تعيش في حالة من التردي والهوان والاستسلام والانقسام، كل نظام من الأنظمة الحاكمة يعطى لنفسه الذرائع والمبررات للتخاذل والتقاعس عن نصرة العراق الشقيق، ويعطي التفسيرات وينقل الإملاءات التي تتناقلها وسائل الإعلام الأمريكية المعادية للإسلام والمسلمين لضرب العراق الشقيق بذريعة دعمه للإرهاب وتهديده للسلام العالمي على حد زعمهم، متناسين أن الصغير قبل الكبير يدرك دوافع العدوان الجديد، ليس تهديداً لأمن المنطقة فحسب، وإنما لسلب خيراته واقتسام أراضيه وسرقة بتروله.
أيها المؤمنون، في هذه الأجواء المسمومة من العداء لعالمنا الإسلامي نجد أن الاستعمار الصهيوني يبتدع أيضاً أساليب تهدف إلى هدم البنية الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والتعليمية والإيمانية لشعبنا الصابر الصامد المرابط، إن ما يقلق بال أمتنا اليوم ويقضّ من مضجعها ليل نهار، ليس الاحتلال العسكري فحسب، وإنما الاحتلال الثقافي الاجتماعي، فظاهرة غياب السلطة وانعدام القانون قد أوجدت وعززت ظاهرة تعاطي المخدرات والقتل وانتشار الفاحشة، فهذه دلالات وسلبيات ذات أبعاد خطيرة على مستقبل وحياة ومصير أمتنا. إن استفحال ظاهرة الإدمان على المخدرات وتعاطيها والاتجار فيها في مدينة القدس بالذات أرض الرباط، أرض الإسراء والمعراج، حتى بلغ عدد مدمني المخدرات في مدينة القدس وحدها أكثر من أربعة ألاف شخص، ومعدل أعمارهم ما بين العشرين والثلاثين أي أنهم في ريعان الصبا والشباب، زهرات تذبل في مستنقع المخدرات، وما تخلفه المخدرات من آثار سلبية قاتلة على الفرد والمجتمع، فأصبحت عاملاً مساعداً لانتشار الجريمة، جريمة القتل وبيع الأراضي والسرقة والاعتداءات على ممتلكات الأبرياء، وابتزاز أموالهم بأساليب البلطجة والزعرنة وغياب القانون، اسألوا أهلنا في كل مكان، اسألوهم كيف أصبحت الأزقة والحواري أوكاراً للمخدرات وارتكاب جرائم الاغتصاب والقتل، تعشعش فيها الغربان والكلاب الضالة وتجار السموم، أسألوهم واتعظوا منهم قبل فوات الأوان، واليوم يأتي دور القدس الشريف بيت المقدس، التي فتحها الفاروق عمر، وأبو عبيدة وخباب بن أوس، وعبادة بن الصامت، تتحول إلى أوكار للموبقات والمخدرات.
أيها المؤمنون، إن الرؤية القائمة لمجريات الأحداث السياسية والعسكرية والاجتماعية تحمل في طياتها نتائج خطيرة وسلبية على مجتمعنا الفلسطيني، والهدف منها هو إبعاد الناس عن دينهم، وزيادة المؤثرات والدوافع لانتشار الجريمة والفساد، وزيادة تعرض الشباب إلى الإصابة بالأمراض الخبيثة كسرطان الرئة والمعدة، تصيب شبابنا بالإدمان والإصابة بمرض الهلوسة والجنون أو الإقدام على الانتحار للتخلص من حالة الضياع، فعلى جميع ولاة الأمور ورعاة الأمة والآباء وذوي القلوب الحية النقية أن تتضافر جهودهم من أجل محاربة تجار المخدرات وتنظيف المدينة المقدسة من بؤر الرذيلة والفساد وإنقاذ شبابنا من الضياع والسقوط، وذلك عن طريق فتح المراكز لمعالجة وتأهيل الذين يتعاطون المخدرات، والضرب بيد من حديد على تجار المخدرات، إن إنقاذ هؤلاء من الوضع المتردي أمانة في أعناقنا، علينا أن نأخذ بأيديهم إلى جادة الرشاد والصواب، ليكونوا معاول بناء، لا أدوات هدم لمدينتهم ومجتمعهم ومستقبل وجودهم.
أيها المؤمنون، لماذا أصبحت القدس باحة لبيع السموم والمخدرات والمواد الغذائية الفاسدة؟ لماذا أصبحت مسرحاً للجريمة والسرقة وسلب أراضي الآخرين؟ لماذا أصبح العابثون ينشطون هنا وهناك دون رادع لهم من أحد؟
إن غياب دولة الإسلام أدى إلى انعدام الأخلاق وتفشي الرذيلة، هذه قاعدة أساسية يجب أن ندركها جميعا من أجل بناء مجتمع إسلامي سليم، والإسلام دين العزة والكرامة، هو دين الأخلاق والآداب والقيم والطمأنينة، ديننا دين الكبرياء والشموخ والنصر، هو رفعة الآمة ومجدها، هو إشراقة النور ووميض الأمل في النفوس المتلهفة المتعطشة للحياة الكريمة، ألم يأن لأمتنا الإسلامية أن تنهض من كبوتها وتتمسك بدينها وتعمل على إقامة دولتها دولة الخلافة، دولة الحق والعدل.
وسامحوني على التأخير .
الله يجزاك الجنة أخي ضيف خفيف .
وجعله في موازين أعمالك .
موفق بإذن الله .
ضيف خفيف
03-11-2002, 12:08 AM
متواليه وهي عبارة عن ثلاثة أقسام :
كيف نخدم الاسلام 1
http://dr-tariq.com/audio/islams.rm
كيف نخدم الاسلام 2
http://dr-tariq.com/audio/kedma.rm
كيف نخدم الاسلام 3
http://dr-tariq.com/audio/kedma3.rm
نسئل الله أن يحفظ الشيخ من كل مكروه وأن يجعله دائما وقافا للحق .
ضيف خفيف
07-11-2002, 09:10 PM
المسجد الحرام :
الخطبة بعنوان ظاهر التفكك الاسري للشيخ عبدالحمن السديس :
ملخص الخطبة
1- سر سعادة المجتمعات. 2- اختلال النظام الاجتماعي. 3- مظاهر هذا الاختلال. 4- خطر التفكك الاجتماعي. 5- فساد الحياة الاجتماعية في الغرب. 6- صور من جرائم العقوق. 7- مفاسد القطيعة. 8- أسباب القطيعة. 9- وعيد قطيعة الرحم. 10- وصف الدواء. 11- اغتنام فرصة رمضان لتقوية الأواصر وإصلاح الوشائج.
الخطبة الأولى
أما بعد: فأوصيكم ـ عباد الله ـ ونفسي بتقوى الله الملك العلام، فإن تقواه سبحانه عروةٌ ليس لها انفصام، وجذوة تنير القلوب والأفهام، وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1].
أما بعد: فأوصيكم ـ عباد الله ـ ونفسي بتقوى الله الملك العلام، فإن تقواه سبحانه عروةٌ ليس لها انفصام، وجذوة تنير القلوب والأفهام، وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1].
أيها المسلمون، القاعدةُ الكبرى في تحقيق سعادةِ المجتمع وضمان استقراره، والركيزة العظمى في إشادة حضارة الأمة وبناء أمجادها تكمُن بعد عقيدتها وإيمانها بربها في نسيجها الاجتماعي المترابط، ومنظومتها القيَميَّة المتألِّقة التي تنتظم عواطفَ الودِّ المشترَك والحبِّ المتبادَل والتضامن المشاع والصلة المستديمة، في بعدٍ عن الضغائن والبغضاء، وغوائل التقاطع والجفاء، وإثارة الأحقاد والشحناء.
معاشر المسلمين، إن المستقرئ للأوضاع الاجتماعية في كثير من المجتمعات الإسلامية ليدرك أنه في خضمِّ المتغيِّرات الاجتماعية وفي ظلِّ تداعيات النُقلة الحضارية وفي دوَّامة الحياة المادية ومعترَك المشاغل الدنيوية حدثت أنواعٌ من السلوكيات والأنماط الخطيرة التي يُخشى أن تؤثِّر في اختلال نظام الأمة الاجتماعي، ويأتي الانفتاح العالمي والأخطبوط العولمي ليذكي أوار هذه السلوكيات، ويُشعل فتيلَ هذه السلبيات، مما يؤكد أهمية تمسُّك الأمة بعقيدتها وقيَمها الحضارية وأخلاقها الاجتماعية الأصيلة.
ولعلَّ من أخطر الظواهر والمشكلات التي أذكتْها المتغيِّرات في الأمة ما يتعلَّق بالأوضاع الاجتماعية، وما جدَّ عليها من مظاهر سلبية، يوشك أن تعصف بالكيان الأسري، وتهدِّد التماسكَ الاجتماعي، فكثرت ظواهرُ عقوق الأبناء وتساهل الآباء، وتقلّصت وظائف الأسرة، وكثُر جنوح الأحداث، وارتفعت نسبُ الطلاق والمشكلات الاجتماعية، وتعدّدت أسباب الجريمة ومظاهر الانحراف والانتحار والعنف العائلي والمشكلات الزوجية، ووهن كثير من الأواصر، وضعُف التواصل بين الأقارب والأرحام، وسادت القطيعة والجفاء، وحلّت محلَّ الصلة والصفاء، وضعُفت وشائج الأخوة وروابط المودة، وشاعت قيم الأنانية والأحاديَّة بدلَ القيم الإيثارية والجماعية، مما ينذر بإشعال فتيل أزمة اجتماعية خطيرة، يجبُ المبادرة إلى إطفائها والقضاء عليها بإيلاء قضايانا الاجتماعية حقَّها من العناية والرعاية والاهتمام.
إخوة العقيدة، وهذه وقفة مع قضيةٍ من أخطر القضايا الأسرية، نشخّص فيها ظاهرةً من أخطر الظواهر الاجتماعية التي لها آثارها السلبية على الأفراد والأسر والمجتمع والأمة، تلكم هي ظاهرة التفكك الأسري والخلل الاجتماعي الذي يوجد في كثير من المجتمعات اليوم، مما ينذر بشؤم خطير وشرّ مستطير، يهدّد كيانَها، ويزعزع أركانَها، ويصدّع بنيانها، ويحدث شروخاً خطيرة في بنائها الحضاري ونظامها الاجتماعي، مما يهدِّد البُنى التحتية لها، وسيتأصل شأفتَها، وينذر بهلاكها وفنائها.
إخوة الإيمان، إن الترابطَ الأسري والتماسكَ الاجتماعي ميزةٌ كبرى من مزايا شريعتنا الغراء، وخصيصة عظمى من خصائص مجتمعنا المسلم المحافظ الذي لُحمته التواصل، وسُداه التعاون والتكافل. ويومَ أن زبعت زوابع العصرنة والتحديث على كثير من المجتمعات الإسلامية عاشت مرحلة انتقالية، افتقدت من خلالها ما كان يرفرف على جنباتِها من سلام أسري ووئام اجتماعي، مما أفرز جيلا يعيش على أنماط اجتماعية وافدة، وينحدر إلى مستنقع موبوء ووَحل محموم، من أمراض حضارة العصر التي سرت عدواها إلى بعض المجتمعات الإسلامية، فاجتاحت المثلَ الأخلاقية العليا والقيم الاجتماعية المثلى، وكأنها الإعصار المدمِّر لقيم الأمة ومُثلها.
أمة الإسلام، إن نظرةً فاحصة لما تعيشه المجتمعات الغربية لتؤكّد أن أقسى ما تعانيه هذه المجتمعات اليوم هو التفكك الأسري والفردية المقيتة التي ضاقت بها بيوتهم بعد أن ضاقت بها قلوبهم. ولا عجب أن يطلبَ أهل الحي فيهم الجهةَ الأمنية لأنَّ مسِنًّا قد مات فأزكمت رائحتُه الأنوف بعد تعفّنه دون أن يعلم بموته أحد، فسبحان الله عباد الله، إنها الماديات حينما تغلب على القيم والأخلاقيات، والأعجب بل الأدهى من ذلك والأمر أن يسري هذا الداء إلى بعض المجتمعات الإسلامية وهي ترى بأمِّ عينها كيف أوشكت الأسرة الغربية على الانقراض، فكم نسمع من مظاهر التفكك وصور الخلل والعقوق في بعض المجتمعات، فهذا أب لما كبرت سنّه ووهن عظمه واحتاج لأولاده لم يجد ما يكافئوه إلا بالتخلص منه في دور الرعاية، وكأنَّ لسانَ حاله يتمثل قول الأوَّل المكلوم:
غذوتُـك مولـوداً وعُلتك يافعًـا ****** تعُلُّ بما أجني عليـك وتنهـلُ
إذا ليلةٌ ضاقتـك بالسقـم لم أبت ****** لسقمك إلا سـاهراً أتملـمـلُ
فلما بلغت السنَّ والغاية التي إليها ****** مـدى ما كنـتُ فيـك أؤمِّلُ
جعلتَ جـزائي غلظـةً وفظاظةً ****** كأنـك أنتَ المنعـم المتفضِّلُ
فليتك إن لم تـرعَ حـقَّ أبّوتـي ****** فعلتَ كما الجار المجاور يفعلُ
ولما سمع ذلك بكى، وأخذ بتلابيب الابن، وقال: ((أنت ومالك لأبيك))[1]. وهذا آخر طاعنٌ في السن يدخل المستشفى وهو على فراش المرض، ويعاني من مرارة العقوق والحرمان، ويقول: "لقد دخلتُ هنا منذ أكثر من شهر، ووالله ما زارني أحدٌ من أبنائي وأقاربي". بل تعدَّى الأمر إلى ما هو أفظع من ذلك، فهذا مأفون لمَّا بلغت أمّه من الكبر عتيا تبرّم وضاق بها ذرعاً، فما كان منه إلا أن أمر الخادمة فأخرجتها خارجَ المنزل، لتبيت المسكينة على عتبة الباب، حتى يُحسن إليها الجيران من الغد. وهذا آخر يطلق النارَ على أبيه فيرديه قتيلا، من أجل مشادّة كلامية. يا لله، رحماك يا إلهي، أيُّ جريمة ارتكبها هؤلاء العاقون في حق أعزّ وأقرب الناس إليهم؟! ويحهم على قبيح فعالهم حتى لكأن قلوبهم قُدَّت من صخر أو هُدّت من صلب، والله المستعان.
ونماذج العقوق والقطعية في زمن الأعاجيب كثيرة، فأين الرحمة عند هؤلاء والديانة؟! بل أين المروءة والإنسانية؟! وإذا كان هذا في حق الوالدين، فما بالكم بموقف هؤلاء من الأقارب والأرحام؟! فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ أَوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصَرَهُمْ [محمد:22، 23].
لقد وصل الحال ببعض الناس أن يمتلئ قلبه غيظاً وحقداً على أقاربه وذوي رحمه، فيقاطعهم بل يعاديهم، ويخاصمهم بل يقاضيهم، ويتمنى لهم الموتَ الزؤام من أجل أمر تافهٍ حقير، يتعلَّق بحفنة من الحطام، أو وشاية غِرٍ لئيم، أو زلة لسان، أو شجار بين الأطفال، فتمرُّ الأشهر والسنوات وقلبُه يغلي عليهم، ونفسه تموج غلاّ ضدّهم كما يموج البركان المكتوم، فلا يستريح إلا إذا أرغى وأزبد، وآذى وأفسد، وانبلجت أساريرُه بنشر المعايب وإذاعة المثالب وسرد القبائح وذكر الفضائح، وتلك ـ لعمرو الحق ـ من دلائل الصغار واللؤم وخسّة الطبع وقلة المروءة لدى أقوام لا يتلذَّذون إلا بالإثارة والتشويش، ولا يرتاحون إلا بالتحريش والتهويش، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "المؤمن لا يطالب ولا يعاتب ولا يضارب"[2].
إن غليانَ مراجل القطيعة في المجتمع، لاسيما بين أبناء الأسرة وذوي الرحم والقربى، وطغيان المآرب الشخصية والمصالح الذاتية أدواءٌ فتاكة إذا تمكَّنت من جسد الأمة أثخنتها، فهي مصدر كلِّ بلاء، وسبب كل عداء، ومنبع كلِّ شقاء، بل هي السلاح البتار الذي يشهره الشيطان ضدّ القلوب فيفرّقها، والعلاقات فيمزِّقها، في غلياناتٍ شيطانية وهيجانات إبليسية، إن أُرخي لها الزمام وأطلِق لها الخطام قضت على حاضر الأمة ودمّرت متقبلَها، وإذا تنافر ودّ القلوب كُسرت زجاجات التواصل، وتمكَّن الشرّ في النفوس، وعاد الناس ذئابًا مسعورةً ووحوشاً كاسرة، وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الأرْضِ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوء الدَّارِ [الرعد:25].
أمة الإسلام، ويوم أن ضعُف التديّن في قلوب كثيرين وكثُر الجهل بالشريعة وطغت المادة ضعُفت أواصر التواصل، وتعددت مظاهر القطيعة، وإلا فلا تكاد فضائل الصلة وآثارها الخيرة تخفى على العاقل اللبيب، فهي صفة أهل الإيمان، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوء الحِسَابِ [الرعد:21]. وهي ثمرة من ثمار الإيمان بالله واليوم الآخر، خرج الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه))[3]. وهي سبب للبركة في الرزق والعمر، يقول : ((من أحبّ أن يُبسَط له في رزقه ويُنسأ له في أجله فليصل رحمه)) مخرّج في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه[4]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: ((إن الله خلق الخلقَ حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلكِ وأقطع من قطعك؟! قالت: بلى، قال: فذلك لك))[5]، وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله قال: ((لا يدخل الجنة قاطع))، قال سفيان: "يعني: قاطع رحم" رواه البخاري ومسلم[6].
إن حقاً على كل قاطعِ رحم أن يبادر بالصلة وهذا الوعيد يقرع سمعَه قبل فوات الأوان، ولا أظنّ أن أحداً يُعذر بعد خدمة الاتصالات الحديثة، فرحم الله عبداً يصِل رحمه وإن قطعوه، يتعهَّدهم بالزيارة، ويتخوَّلهم بالهدية وإن جفوه، يقول : ((ليس الواصل بالمكافئ، وإنما الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها)) خرجه البخاري[7]، وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي قرابةً أصلهم ويقطعوني، وأُحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلُم عنهم ويجهلون عليَّ، قال : ((لئن كنت كما قلتَ فكأنما تُسفّهم الملَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك))[8].
فهنيئاً لقريبٍ أعان على صلته بقبول العذر والصفح والعفو والتغاضي عن الهفوات والتغافل عن الزلات، إن أحسنَ فلا يمنّ، وإن أعطى فلا يضِنّ، لا يعرف السباب، ولا يُكثر العتاب، فليست تدوم مودةٌ وعتابُ، يتجنَّب المراء والجدال، ويحسن الأقوالَ والفعال، يشارك أقاربَه آلامهم وآمالهم، ويشاطرهم أفراحهم وأتراحهم، مفتاحٌ لكل خير، مغلاق لكل شرّ، ينصح ولا يفضح، ويستر ولا يعيِّر، وفي ذلك ذكرى للذاكرين وعبرة للمعتبرين، والله المسؤول أن يصلح الحال، وتسعد المآل، إنه جزيل العطاء والنوال.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفره وتوبوا إليه، فيا لفوز المستغفرين، ويا لبشرى التائبين، اللهم أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا، وأنت خير الغافرين.
----------------------------------------
[1] أخرجه الطبراني في الصغير (947)، والأوسط (6570)، والبيهقي في الدلائل ـ كما في نصب الراية (3/338) ـ من حديث جابر رضي الله عنهما، قال الهيثمي في المجمع (4/155): "روى ابن ماجه طرفا منه، رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه من لم أعرفه، والمنكدر بن محمد ضعيف، وقد وثقه أحمد، والحديث بهذا التمام منكر، وقد تقدمت له طريق مختصرة رجال إسنادها رجال الصحيح".
[2] انظر: مدارج السالكين (1/523).
[3] جزء من حديث أخرجه البخاري في الأدب (6138)، وأخرج مسلم أصله في الإيمان (48) وليس فيه هذا الجزء.
[4] أخرجه البخاري في الأدب (5986)، ومسلم في البر والصلة (2557).
[5] أخرجه البخاري في الأدب (5987)، ومسلم في البر والصلة (2554).
[6] أخرجه البخاري في الأدب (5984)، ومسلم في البر والصلة (2556).
[7] أخرجه البخاري في الأدب (5991) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
[8] أخرجه مسلم في البر والصلة (2558).
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأمرنا بصلة الأرحام، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك القدوس السلام، منَّ علينا بقرب حلول شهر الصيام والقيام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله بدر التمام، ومسك الختام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الكرام، وصحابته الأئمة الأعلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب النور والظلام.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [البقرة:281]، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
أيها الإخوة في الله، وبعد تشخيص الداء لظاهرة القطيعة والتفكُّك الاجتماعي يأتي وصفُ الدواء وأخذ التدابير الواقية للتصدي لهذه المشكلة الاجتماعية الخطيرة، ولعل أولى خطواتِ العلاج إصلاحُ النفوس بالخوف من الله ومراقبته، واستشعار معيَّته وتعظيم أمره ونهيه في ذلك، وتربية النفوس على التكافل والإحسان وحفظ اللسان والتثبت عند إطلاق الشائعات، والحذر من الغضب، وكظم الغيظ، والسعي في الإصلاح مع الصبر والتحمل والعفو والتجمّل واليقين بأن قوة الأمة إنما تكمن في تماسكها وترابط أبنائها.
أيها الأحبة في الله، ولعلَّ التذكير بهذه القضية والأمة على أبواب شهر الخير والبركة من أكبر الدوافع على الأخذ بالخطوات العمليَّة في إصلاح النفس والمجتمع، وبمثل هذا ينبغي أن تستقبل الأمة شهرَها الكريم، مع الحاجة الماسة في أن يولي المتخصِّصون هذه الظاهرةَ وأمثالها الدراسةَ الجادة والحلول العمليةَ الناجحة.
فيا أيها المسلمون، يا من هبّت رياحُ اشتياقكم لبلوغ شهر رمضان المبارك، ماذا أعددتهم لاستقباله؟ أوَلستم تريدون الفوزَ بالجنان؟! أين زادُكم وعدّتكم وقد قربت أيام المرابحة؟! أين تدريباتُ العزائم والاستعداد لأغلى المواسم؟! إن الكيِّس الصادقَ من أعدَّ للسباق والمنافسة، حتى إذا ما هلّ الهلال المبارك انطلق لا يلتفت، وشمّر لا يفتئت، عاليَ الهمة لبلوغ القمة، غايتُه نصبَ عينيه، وشوقُه حاديه على مواصلة الجدِّ في ميدان التسابق، حتى يفوزَ بالموعود، إذا نزل الناس إلى أسواق الدنيا لشراء ما لذّ وطاب من المطاعم والمشارب نزل إلى أسواق الجنان يرابح ويغالب.
ألا فلتهنأ الأمة بشهرها، ولتستعدَّ لحسن الاستقبال بتوبةٍ عامة وإنابة شاملة مخلصة في شتى المجالات، وفتح صفحة المحاسبة لمستقبل أفضل، تعالج فيها مشكلاتها، وتتوحد فيها كملتُها، وتنتصر بإذن الله على أعدائها، وما ذلك على الله بعزيز.
ألا وصلوا وسلموا ـ رحمكم الله ـ على النبي المصطفى والرسول المجتبى كما أمركم بذلك المولى جل وعلا، فقال تعالى قولاً كريما: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
اللهم صل وسلم على سيد الأولين والآخرين وأفضل الأنبياء والمرسلين نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...
وهذا الرابط الصوتي لها .
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=17095&scholar_id=216&scholar_name=%CE%D8%C8+%C7%E1%CD%D1%E3%ED%E4+%C7%E 1%D4%D1%ED%DD%ED%E4&scholar_directory=haramain
النابلسية
27-11-2002, 06:45 PM
من خطب الحرمين:
في خطبتي الجمعة بمكة المكرمة والمدينة المنورة
السديس : النسيج الاجتماعي للأمة الإسلامية قاعدة لإرساء حضارتها وبناء أمجادها
القاسمي : الأسرة أساس المجتمع ومشاكل الزوجين تؤثر على التربية واحترام الوالدين
دعا امام وخطيب المسجد الحرام فضيلة الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس المسلمين الى تقوى الله عزوجل لأنها سبب التوفيق والنجاح وطريق العز و الصلاح وينبوع الخير والفلاح 0
وقال الشيخ السديس في خطبة الجمعة أن النسيج الاجتماعي المترابط في الامة دعامة من دعائم سعادتها واستقرارها وركيزة من ركائز نموها وازدهارها و المنظومة الاجتماعية الخيرة في المجتمعات قاعدة كبرى في ارساء حضارتها و بناء امجادها والخلل الاجتماعي في اي امة نذير خطر يهدد كيانها لما يحدثه من شروخ عميقة في بنائها الحضاري و نظامها الاجتماعي مما يهدد البنية التحتية الاجتماعية و يستأصل شأفتها .
وبين أن المتأمل في الواقع الاجتماعي لكثير من المجتمعات يدرك ما احدثته المتغيرات الحضارية من نقلة نوعية في حياة الافراد و الأسر انعكست اثارها السلبية على كافة المستويات لاسيما في القضايا الاجتماعية فبعد ان كانت قضايا الأمة الاجتماعية متسمة باليسر و السهولة انقلبت الى صور جديدة متسمة بالعنت والمشقة والتعقيد لتظهر انماطا جديدة وظواهر خطيرة يخشى ان تسهم في خلخلة النظام الاجتماعي في الامة مشيراً إلى أن الانفتاح العالمي و التواصل الحضاري بين الشعوب والمجتمعات يسهم في ابراز هذه الظواهر واذكاء سعير هذه المظاهر مما يتطلب التأكيد على التمسك بثوابت الامة و أصولها و اخلاقها و قيمها و نظمها 0
واضاف الشيخ السديس ولعل من ابرز السلبيات التى اذكتها المتغيرات والمستجدات تلك السلبيات الاجتماعية الخطيرة التى تعصف بكيان الأسر وتهدد تماسك المجتمع حتى تقلصت وظائف البيت وضعفت مسئوليات الأسرة وكثر العقوق وتخلى كثير من الابناء والاباء عن اداء الحقوق وعلت نسبة العنوسة وارتفعت معدلات الطلاق و تعددت اسباب الانحراف والجريمة وتفككت كثير من العلاقات الاجتماعية وضعف تواصل الارحام وذوي القربى واسندت مهمة البيت و تربية النشء للخدم والسائقين وضعفت اواصر المودة ووشائج الاخوة مما يشكل ازمة اجتماعية و تربوية محدقة و افراز اجيال جديدة وسط معطيات ثقافية مخالفة لعقيدتنا و قيم مخالفة لمجتمعاتنا المحافظة مما يتطلب من الغيورين إيلاء القضايا الاجتماعية في الامة حقها من العناية والتذكير والاهتمام والرعاية0
وشخص فضيلة امام وخطيب المسجد الحرام ظاهرتي العزوبة والعنوسة التى يئن من لأوائها مئات من الشباب والفتيات وقال لقد اكدت الدراسات الاجتماعية المعاصرة نسبة الاحصاءات المذهلة في بعض المجتمعات لهذه الظاهرة حيث بلغت في مجتمع واحد مليون ونصف من العوانس تنتظر كل واحدة منهن فارس احلامها ومن المحتمل ان يزيد العدد خلال الخمس السنوات القادمة الى اربعة ملايين او اكثر لو استمرت معدلات الزيادة بنفس الوتيرة 0
واكد ان هذا مؤشر مذهل ينذر بشؤم خطير وضرر كبير مالم تتدارك هذه الظاهرة وتشخص داء ودواء بالحلول العملية التطبيقية النظرية فحسب 0
وقال ان ظاهرة العنوسة في المجتمع و عزوف كثير من الشباب و الفتيات عن الزواج له مضاره الخطيرة و عواقبه الوخيمة على الامة باسرها سواء اكانت هذه الاخطار و الاثار نفسية ام اقتصادية ام اجتماعية ام اخلاقية او سلوكية لاسيما في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن وتوفرت فيه السبل المنحرفة لقضاء الشهوه فلا عاصم من الانزلاق في مهاوي الرذيلة و الردى و الفساد الاخلاقي الا التحصن بالزواج الشرعي فالقضية ايها الغيورون قضية فضيلة او رذيلة ومن المؤسف ان يصل بعض الشباب الى سن الثلاثين و هو لم يفكر بعد في موضوع الزواج وما ان فتحت ابواب الفساد الا لما وضعت العراقيل امام الراغبين في الزواج بل لم ينتشر الانحلال و الدعارة و العلاقات المشبوهة و السفر الى بلاد موبوءة ومستنقعات محمومة الا بسبب تعقيد امور الزواج لاسيما مع غلبة ما يخدش الفضيلة و يقضي على العفة والحياء مما يرى ويسمع من الوان الفساد التى قذفت به المدنية الحديثة وحدث و لا كرامة عما تبثه القنوات الفضائية والشبكات المعلوماتية التى تفجر براكين الجنس وتزلزل ثوابت الغريزة وتوجه ضد قيم الامة واخلاقها فالى الله المشتكى ولاحول ولاقوة الا بالله 0
واردف الشيخ السديس يقول معاشر المسلمين واذا التمست اسباب هذه الظاهرة نجد ان جملة منها للاتعدو ان تكون رواسب مرحلة تاريخية مرت فيها كثير من المجتمعات الاسلامية اعقبها غزو فكري كانت له اثار خطيرة على الاوضاع الاجتماعية في الامة مما افرز عوامل نفسية و ثقافية و اقتصادية منها ما يرجع الى الشباب و الفتيات ومنها ما يرجع الى الاولياء ومنها ما يعود الى المجتمع باسره 0
وشرح هذه الاسباب بالقول اما الشباب و الفتيات فبعضهم يتعلق بامال و احلام و خيالات و اوهام و طموحات و مثاليات هي في الحقيقة من الشيطان فبعضهم يتعلق بحجة اكمال الدراسة زاعمين ان الزواج يحول بينهم وبين مايرامون من مواصلة التحصيل فمتى كان الزواج عائقا عن التحصيل العلمي بل لقد ثبت بالتجربة و الواقع ان الزواج الموفق يعين على تفرغ الذهن و صفاء النفس وراحة الفكر و انس الضمير و الخاطر و اقولها بصراحة ماذا تنفع المرأة بالذات شهاداتها العليا اذا بقيت عانسا قد فاتها ركب الزواج و اصبحت ايما لم تسعد في حياتها بزوج و اولاد يكونون لها زينة في الحياة وذخرا لها بعد الوفاة وكم من امرأة فاتها قطار الزواج و ذهبت نضارتها وذبلت زهرتها و تمنت بعد ذلك تمزيق شهاداتها لتسمع كلمة الامومة على لسان وليدها و لكن بعد فوات الاوان 0
واوضح الشيخ السديس ان هذه المشكلة ومثيلاتها مردها الى غبش في التصور وخلل في التفكير وقال لا نبالغ اذا قلنا انها افراز ضعف المعتقد وقلة الديانة والخلل في الموازين وسوء الفهم لمقاصد الاحكام ومقاصد الشريعة الغراء انه النظر المشوش حول المستقبل والتخوف الذي لامبرر له والاعتماد على المناصب والماديات والتعلق بالوظائف والشهادات وتأمين فرص العمل مما يزعزع الثقة بالله والرضى بقضائه وقدره ويضعف النظر المتبصر والفكر المتعقل 0
ودعا الشباب والفتيات الى المبادرة الى الزواج متى ما تيسرلهم امره والا يتعلقوا بامور مثالية تكون حجر عثرة بينهم وبين ما ينشدون من سعادة وفلاح ويقصدون من خير ونجاح والا يتذرعوا بما يعبر عنه بتأمين المستقبل.
وبين الشيخ السديس ان من اسباب هذه المشكلة واستفحالها عضل النساء من زواج الاكفاء و الرسول صلى الله عليه و سلم يقول اذا اتاكم من ترضون خلقه و دينه فزوجوه فهناك بعض الاولياء قد خانوا الامانة التى حملوها في بناتهم و فتياتهم بمنعهن من الزواج من الاكفياء دينا و خلقا و امانة وقد وصل ببعض الاولياء الجشع و الطمع ان يعرض ابنته سلعة للمساومة و تجارة للمزايدة وما درى هؤلاء ان هذا عضل و ظلم و خيانة و قد تكون مدرسة و موظفة فيطمع في مرتبها الم يعلم هؤلاء بالاعترافات والقصص الواقعية بضحايا تلك المشكلة 0
وحث امام وخطيب المسجد الحرام اولياء الامور على تقوى الله فيما تحت ايديهم من بنات و ان يبادروا بتزويجهن متى ما تقدم الاكفاء في دينهم و خلقهم حيث ان رد هؤلاء الاكفاء فيه جناية على النفس والفتاة وعلى الخاطب والمجتمع برمته والمعيار كفاءة الدين وكرم العنصر وزكاة المعدن 0
واوصى اولياء امور الفتيات ان لايغالوا في مهور بناتهن و في تكاليف الزواج داعيا الشباب و الفتيات الى الصبر و الثبات و الاستعفاف والرضى بقدر الله و العمل بالاسباب الشرعية فما عند الله خير وابقى 0
وفي المدينة المنورة أوصى فضيلة امام وخطيب المسجد النبوي الشريف الشيخ عبدالمحسن القاسم المسلمين بتقوى الله حق التقوى وقال: الأسرة اساس المجتمع . . . منها تفترق وتنتشر الشعوب . . . نواة بنائها الزوجان {ياايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} والأسرة هي الماوى الذي هيأه الله للبشر يستقر فيه ويسكن اليه . . في الزواج اعمار الكون وسكون النفس ومتاع الحياة . . بقيامه تنتظم الحياة ويتحقق العفاف والاحصان يجمع الله بالنكاح الارحام المتباعدة والانساب المتفرقة . . وعد الله فيه بالغنى والسعة في الرزق ولاخلف لوعد الله «ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله» .
واضاف فضيلته ان في اختيار لبنة النكاح تتسع الافاق فيقرب البعيد ويبر القريب . وهموم الزوجين عديدة ومتشعبة ولكن حسن العشرة وطيب المودة يبددها {وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} والرجل يرفعه الادب ويزكيه العقل يضع من المودة اعلاها ومن المحبة اسماها يعفو عن الخطا ويتجاوز عن الزلة والمرأة خلقت من ضلع اعوج وبمداراتها والصبر على ما يكرهه منها تستقيم الامور يقول عليه الصلاة والسلام «استوصوا بالنساء خيرا فانهن خلقن من ضلع وان اعوج شيء في الضلع اعلاه فان ذهبت تقيمه كسرته وان تركته لم يزل اعوج فاستوصوا بالنساء خيرا» متفق عليه .
وقال فضيلة امام وخطيب المسجد النبوي الشريف : ومن كرم اصله لان قلبه . وزوجتك ايها المسلم هي حاملة اولادك وراعية اموالك وحافظة اسرارك اخفض لها الجناح وابتسم لها فان الابتسامة تحيي النفوس وتزيل ضغائن الصدور والثناء على الزوجات في الملبس والمأكل والزينة محمود والهدية بين الزوجين مفتاح للقلوب تنبىء عن محبة وسرور وزيادة المودة لها وان التبسط معها ونبذ الغموض والكبرياء من سيم الحياة السعيدة .
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينبغي للرجل ان يكون في اهله كالصبي اي في الانس والسهولة فان كان في القوم كان رجلا .
واضاف فضيلته : وكن ايها الزوج مستقيما في حياتك تكن هي باذن الله اقوم ولا تمدن عينيك الى ما لا يحل لك واحذر مشاهدة الفضائيات فان الكثير من مشاكل الزوجين جلبته الفضائيات . واعلم ان المعصية شؤم في بيت الزوجية وكن لزوجتك كما تحب ان تكون هي لك في كل ميادين الحياة فانها تحب منك كما تحب منها . يقول ابن عباس رضي الله عنه « اني احب ان اتزين للمرأة كما احب ان تتزين لي» . واستمع الى حديث زوجتك بصدر رحب وبشاشة خلق فقد كان نساء النبي صلى الله عليه وسلم يراجعنه في الراي فلا يغضب منهن . واعلم ان من علو النفس ان لا ياخذ الزوج من مال زوجته شيئا الا برضاها فمالها ملك لها . واحسن اليها بالنفقة بالمعروف ولا تبخل عليها وتذكر ان زوجتك تود الحديث معك في جميع شؤونها فاصغ اليها فان هذا من كمال الادب ولا تعد الى دارك كالح الوجه عابس المحيا فاولادك بحاجة الى عطفك وقربك وحديثك فالن لهم الجانب ودعهم يفرحون بابوتك وحسن انصاتك فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا راى ابنته فاطمة قال لها «مرحبا يابنيتي» ثم يجلسها عن يمينه او شماله . رواه مسلم .
وبين فضيلة الشيخ القاسم ان الحنو على اهل البيت شموخ في الرجولة .
يقول البراء رضي الله عنه «دخلت مع ابي بكر على اهله فاذا ابنته عائشة مضطجعة قد اصابتها حمى فرايت اباها ابا بكر يقبل خدها ويقول كيف انت يابنيه» رواه البخاري . وكانت صغيرة انذاك . والقيام باعباء المنزل من شيم الاوفياء قيل لعائشة رضي الله عنها ماذا كان يعمل رسول الله في بيته قالت « كان بشرا من البشر يفلي ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه». رواه احمد . والكرم في النفقة على اهل بيتك افضل البذل ولا يطغى بقاؤك عند اصحابك على حقوق اولادك وزوجتك فاهلك احق بك ولا تذكر زوجتك بعيوب بدرت منها ولا تلمزها بتلك الزلات والمعايب واخف مشاكل الزوجين على الابناء ففي اظهارها تاثير على التربية واحترام الوالدين . والغضب اساس الشحناء وما بينك وبين زوجتك اسمى ان تدنسه لحظة غضب عارمة وآثر السكوت على سخط المقال والعفو عن الزلات اقرب الى العقل والتقوى . يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه «النساء عورة فاستروهن بالبيوت وداووا ضعفهن بالسكوت » .
وقال فضيلته : ان حق الزوجة على الزوج عظيم اسرت بالعقود واوثقت بالعهود . الزوجات يكرمهن الكريم ويعلي شانهن العظيم . تقول عائشة رضي الله عنها « كان النبي يكثر ذكر خديجة رضي الله عنها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها اعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له كان لم يكن في الدنيا امرأة الا خديجة» رواه البخاري .
واضاف فضيلته ان الزوجة الحاذقة تجعل قلبها لزوجها سكنا وتجعل في نفسها طمأنينة وفي حديثها معه ابتهاجا وزينة . . . تصحبه بالقناعة وطيب المعاشرة بحسن السمع والطاعة في غير معصية . . تعترف بجميل الزوج وفضله وتقوم بحقوقه . . . تؤمن بعلو منزلته . . يقول عليه الصلاة والسلام «لو كنت آمرا احدا ان يسجد لاحد لامرت الزوجة ان تسجد لزوجها » . يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله « وليس على المرأة بعد حق الله ورسوله اوجب من حق الزوج» .
واوضح فضيلته ان المراة الصالحة ان رات زوجها جنح ذكرته بالله وان رأته يكدح للفانية ذكرته بالاخرة الباقية . . تعينه على نوائب الدهر . .
لا تفشي له سرا ولا تعصي له امرا في غير معصية الله . . تعين زوجها على بر والديه فانه من تحت يديهما نشأ وعلى انظارهما ترعرع . . تطلب رضا ربها برضا زوجها . . لا تتبع هفواته ولا تظهر زلاته . . حافظة له في الغيب والشهادة . . ان حضر اكرمته وان غاب صانته لا تشطط على زوجها في النفقة . . جل همها طاعة ربها برضا زوجها وتنشئتها اولادها على الصلاح والاستقامة . . لا ترفع عليه صوتا .
ودعا فضيلته في ختام خطبته المسلمين الى الحرص على ما ينفعهم .
ضيف خفيف
09-12-2002, 10:39 PM
جوزيت الجنة يا النابلسية وحقيقة تأخرت في سرد خطب الحرمين والروابط الصوتية له .
ضيف خفيف
17-12-2002, 05:57 PM
فيه صاحبته :
وأم الخطبة فهي عن الاخوة وهي مرتبط بفراق صاحبة هذا الموضوع وهي للشيخ صالح الفوزان وهي خطبة قديمة :
أما بعد:
ملخص الخطبة
1- أخوة الدين تعلو أخوة النسب 2- من حقوق الأخوة الإصلاح بين المسلمين 3- من حقوق الأخوة عدم الاعتداء على حُرُماتهم 4- من حقوق الأخوة محبة الخير للمؤمنين 5- من حقوق الأخوة النصيحة للمسلمين 6- حقوق المسلم الست
الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الأخوة في الدين تعلو الأخوة في النسب، فالله أمر بالمؤاخاة بين المؤمنين والمسلمين، ولو اختلفت أنسابهم وتباعدت أوطانهم، فقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10].
وأمر بمعاداة الكافرين ولو تقاربت أنسابهم، فقال تعالى: يَـٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ءابَاءكُمْ وَإِخْوٰنَكُمْ أَوْلِيَاء إِنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيماـٰنِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ [التوبة:23].
ولهذه الأخوة بين المسلمين والمؤمنين حقوق عظيمة وثمرات كريمة قد بينها الله ورسوله في الكتاب والسنة، تجب مراعاتها والقيام بها، ولا يجوز إهمالها والتهاون بها.
ومن هذه الحقوق والثمرات وجوب الإصلاح بين المسلمين عندما يحصل بينهم اختلاف ونزاع، أو تظهر بينهم عداوة وقطيعة، قال تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقاتِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىء إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات:9-10].
ومن حقوق الأخوة بين المسلمين والمؤمنين: تعظيم بعضهم لحرمات بعض، وعدم تنقص بعضهم لبعض، قال تعالى: يٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ وَلاَ نِسَاء مّن نّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظا ّلِمُونَ [الحجرات:11].
ينهى سبحانه المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن سخرية بعضهم من بعض رجالا ونساء، فربما يكون المسخور منه خيراً من الساخر في الدنيا والآخرة، والسخرية لا تصدر إلا من ناقص. ونهى سبحانه عن اللمز، وهو الطعن في حق المسلم، وعن التنابز بالألقاب، وهو أن يدعى الإنسان بغير ما سمي به، واللقب ما يسوء الشخص سماعه.
قال بعض المفسرين، ومنه قول: يا فاسق، يا كلب، يا حمار،.. و قد سمى الله السخرية واللمز، والتنابز بالألقاب فسوقاً، مما يدل على قبح ذلك وشناعته ووجوب الابتعاد عنه.
ومن حقوق الأخوة بين المسلمين والمؤمنين: تجنب إساءة الظن فيما بينهم، والتجسس من بعضهم على بعض، واغتياب بعضهم لبعض، قال تعالى: يٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ الظَّنّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنّ إِثْمٌ [الحجرات:12]، وذلك بأن يظن بأهل الخير شراً وَلاَ تَجَسَّسُواْ [الحجرات:12]. والتجسس هو البحث عن عيوب الناس، نهى الله عن البحث عن المستور من عيوب الناس وتتبع عوراتهم: وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً [الحجرات:12].
وفسر النبي الغيبة بأنها ذكرك أخاك بما يكره، والغيبة محرمة بالإجماع تحريما شديدا. وقد شبهها الله بأكل اللحم من الإنسان الميت، فقال سبحانه: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات:12].
أي: كما تكرهون هذا طبعا فاكرهوا ذاك شرعا، فإن عقوبته أشد من هذا ومن حقوق الأخوة الإيمانية والإسلامية: التعاون بين المسلمين على البر والتقوى، والتعاون على تحصيل مصالحهم ودفع المضار عنهم. قال تعالى: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].
وقال النبي : ((مثل المسلمين في توادهم، وتعاطفهم، وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)).
فالمسلم يفرح لفرح أخيه المسلم ويسره ما يسره، ويتألم لألم أخيه...
ومن حقوق الأخوة الإيمانية والإسلامية: التناصح بين المسلمين والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71].
وقال النبي : ((الدين النصيحة)) ثلاث مرات، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)).
ومن حقوق الأخوة الإسلامية والإيمانية: أن يحب المؤمن لأخيه ما يحب لنفسه. كما قال : ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))، والمراد المحبة الدينية لا المحبة البشرية، فإن بعض النفوس البشرية قد تحب الشر.
فالواجب على المؤمن أن يحب لأخيه ما يحب من الخير والنفع لنفسه، ومن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه كان حسودا، والحسد مذموم.
ومن حقوق الأخوة في الإيمان والإسلام: عدم الغش والخديعة للمسلمين قال : ((من غشنا فليس منا))، ومن ذلك الغش في البيع والشراء.
فإن كثيرا من الناس اليوم اتخذوا البيع والشراء وسيلة احتيال يحتالون بهما للاستيلاء على أموال الناس بالكذب والخداع والغش.
عن حكيم بن حزام : أن رسول الله قال: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ويمحقا بركة بيعهما، واليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب)) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
وعن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده رضي الله عنهما: أنه خرج مع رسول الله إلى المصلى، فرأى الناس يتبايعون فقال: ((يا معشر التجار))، فاستجابوا لرسول الله ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه. فقال: ((إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق))، رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجة، وابن حبان في (صحيحه)، والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
وعن أبي ذر عن النبي قال: ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم))، قال: فقرأها رسول الله ثلاث مرا ت، فقلت: خابوا وخسروا يا رسول الله، ومن هم؟ قال: ((المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)) رواه مسلم وغيره.
ومن حقوق المسلمين والمؤمنين بعضهم على بعض: احترام حقوقهم التي سبقوا إليها، فلا يبع بعضهم على بيع بعض، بأن يقول لمن اشترى سلعة بثمن: أنا أعطيك مثلها أو أحسن منها بأقل من ذلك الثمن. ولا يسُم بعضهم على سوم بعض، وذلك إذا سام سلعة وأراد صاحبها أن يبيع عليه جاء آخر وقال له: لا تبع، أنا أزيد في السّوم.
ولا يخطب على خطبة أخيه، وذلك إذا خطب امرأة رضيت به جاء آخر يخطبها، فقد نهى النبي عن هذه الأشياء كلها فقال: ((لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته))، وفي رواية: ((لا يسم على سومه)).
ومما نهى عنه الرسول : التناجش يبن المسلمين، وهو أن يزيد في السلعة المعروضة للبيع من لا يريد شراءها، وإنما يريد رفع قيمتها على المشتري، قال : ((لا تحاسدوا ولا تناجشوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض)).
والتدابر: أن يعرض عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر.
ومن حقوق المسلمين بعضهم على بعض: التزاور فيما بينهم، وإفشاء السلام، وقضاء حوائجهم، والرفق بضعفائهم، وتوقير كبارهم ورحمة صغارهم وعيادة مرضاهم واتباع جنائزهم، قال : ((حق المسلم على المسلم خمس: عيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس)) متفق عليه.
ومن حقوق المسلمين: دعاء بعضهم لبعض. قال تعالى لما ذكر المهاجرين والأنصار: وَالَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإَيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر:10].
وقال تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمنِاَـٰتِ [محمد:19].
فالمؤمنون أخوة في جميع الأزمان من أول الخليقة إلى آخرها، وفي جميع أقطار الأرض وإن تباعدت ديارهم يدعو بعضهم لبعض، ويستغفر بعضهم لبعض، ويحب بعضهم بعضا، ويعين بعضهم بعضا على البر والتقوى، وينصح بعضهم لبعض، ويصدقون في تعاملهم فيما بينهم، ويحترم بعضهم حقوق بعض، لأن الله ربط بينهم برابطة الإيمان التي هي أقوى من رابطة النسب والوطن واللغة.
فاتقوا الله ـ عباد الله ـ وراعوا حقوق هذه الأخوة، ولا تضيعوها فتكونوا من الخاسرين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلى شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا كذلك يُبَيّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءاياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّناـٰتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:102-105].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن ِمن الناس مَن يدعي الإيمان مكرا وخداعا لأذية المؤمنين، وهو في باطن الأمر مع الكافرين، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الارْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِن لاَّ يَشْعُرُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ كَمَا ءامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلكِن لاَّ يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَياطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:8-15].
همهم تتبع عورات المسلمين ومحاولة تفريق كلمتهم، وفيهم قال رسول الله : ((يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتتبع عوراتهم يتتبع الله عورته ومن يتتبع الله عورته يفضحه في بيته)) رواه أبو داود.
ومن الناس من يكون مؤمنا ضعيف الإيمان، فيتصف ببعض صفات المنافقين، فيكذب في الحديث ويخون في الأمانة، ويفجر في الخصومة، وفي مثل هؤلاء قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)) وفي رواية: ((وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)).
فاتقوا الله ـ عباد الله ـ وكونوا مؤمنين حقاً كما أمركم الله بذلك، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله...
وسوف تكون هذه آخر خطبة أشارك فيها :
ومن يريد أن يشارك في الموضوع ونقل الخطب المميزة وهي في موقع دائما التجدد خطبها :
http://www.alminbar.net/
ومن اراد الخطب الصوتية :
http://khotab.netfirms.com/
ونشكرك الاخت فداء على هذا الموضوع ونسئل الله لها التوفيق وجزها الله خير .
ضيف خفيف
22-12-2002, 06:19 PM
وهي للشيخ الفاضل / صلاح محمد البدير بعنوان
وَأُمْلِي لَهُمْ
ملخص الخطبة
- التسليم لقضاء الله تعالى. 2- حال الأمة المسلمة اليوم. 3- عداء الكفار وكيدهم ومكرهم. 4- بداية النهاية. 5- الانتصار من الظالم للمظلوم. 6- ذم الظلم وأهله. 7- مراجعة ومحاسبة. 8- ضرورة تصحيح المعتقد والرجوع إلى الله تعالى. 9- حسن الظن واليقين أن العاقبة للمتقبن.
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا الله فإن تقواه أفضلُ مكتسب، وطاعته أعلى نسب، ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102].
أيها المسلمون، المؤمن مهما تفاقم الشرّ وتراقى الخطر والضرّ فإنه يعلم أن ما قُضِي كائن، وما قُدِّر واجب، وما سُطِّر منتظَر، ومهما يشأِ الله يكن، وما يحكم به الله يحقّ، لا رافع لما وضع، ولا واضع لما رفع، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وما شاء ربُّنا صنع، فلا جزع ولا هلع، وإنما صبرٌ ومصابرة، وفأل بأنَّ لأهل الإسلام السلطة والانتصار والفلج[1] والإظفار، ولعدوّهم الذلّة والصغار والدمار والخسار، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف:21].
أيها المسلمون، إن الأمة المسلمة تواجه اليومَ خصاماً بعنف وتآمراً بقَحةٍ وحرباً بجبروت، يقودها قومٌ لئام، أماطت عنهم اللثام الأحداثُ والوقائع والأيام، يجرّون الضغائن، ويحملون مسمومَ الدفائن، ملؤوا الدنيا عدواناً، وأشعلوها نيرانا، وأنَّى يُحقِّق هؤلاء سلاماً دائما وسكونا دائباً. أحداثٌ تُفتعَل، وأدوارٌ تُمثَّل وتُنتحَل، إفكٌ وافتراء، واتِّهام وادِّعاء، وغطرسة وغرور، واستبداد وفجور، وجَور واشتطاط، وظلم واختباط، وتلاحم بالظالمين واختلاط، أدَّى إلى تفجّر العنف وانعدام الأمن وانتشار الخوف واختلال الأوضاع في كثير من الأصقاع والبقاع.
إن العالم باتت تحكمه شريعةُ الغاب وسياسات التهديد والإرهاب ولغة التحدّي والإرعاب، مصالح ذاتية، ونظمٌ أُحاديّة، وإدارة فرديّة، تتعامل مع الغير معاملةَ السيّد للمسود والقائد للمقود، سياسةُ مصالح لا قيم، سياسة لا تحكم بالسويّة، ولا تعدل في قضيّة، ولا تتعامل إلا بحيف وازدواجية، غيٌّ وبغي، وتسلّط وتمرّد، ورؤًى خاصَّة يقرّرها صاحبُ القوّة وفق عقيدته ومصلحته، ومحاولاتُ إحداثِ خلخلة وضعضعة وانشقاقٍ وافتراق في صفوف الأمة المسلمة؛ لتكونَ أمصاراً متنافرة وبلاداً متناثرة متناحرة.
إنها صورةٌ واضحة المعالم جليّةُ الأبعاد للواقع المرّ الذي تأباه نفسُ كلّ أبيّ حرّ، وستظلّ المباركة والتأييد التي يلقاها الإجرام الإسرائيلي والصلف الصهيوني وتهيئة الأجواء له وإفساح المجال لارتكاب مزيدٍ من الهدم والتشريد والتقتيل شاهداً على الحقد الأعمى، وأنَّه ليس عند القوم للعدل حظٌّ ولا معنى.
أيها المسلمون، لقد بلغ السيل زُباه، والكيدُ مداه، والظلم منتهاه، والظلم لا يدوم ولا يطول، وسيَضمحلّ ويزول، والدهر ذو صرفٍ يدور، وسيعلم الظالمون عاقبة الغرور. أين الذين التحفوا بالأمن والدَّعَة، واستمتعوا بالثروة والسَّعة، من الأمم الظالمة الغابرة الظاهرة القاهرة؟! لقد نزلت بهم الفواجع، وحلّت بهم الصواعق والقوارع، فهل تعي لهم حِسًّا، أو توجَّسُ لهم رجسا، أو تُدسُّ لهم رزًّا، أو تسمَعُ لهم ركزاً؟! فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته))، وقرأ : وَكذلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِىَ ظَالمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] متفق عليه[2].
أيها المسلمون، مهما بلغت قوّةُ الظلوم وضعفُ المظلوم فإنَّ الظالم مقهور مخذول، مصفّد مغلول، وأقربُ الأشياء صرعة الظلوم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم، يرفعها الحيّ القيوم فوق الغيوم، يقول رسول الهدى : ((ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبوابَ السماء، ويقول لها الرب: وعزَّتي وجلالي لأنصرنَّك ولو بعدَ حين)) أخرجه أحمد[3].
فسبحان من سمع أنينَ المضطهدِ المهموم، وسمع نداءَ المكروب المغموم، فرفع للمظلوم مكاناً، ودمَغ الظالم فعاد بعد العزّ مهاناً.
أيها الناس، إنه ليس شيءٌ أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق من الظلم والعدوان، ولا يكون العمران حيث يظهر الطغيان، وإن الظالمَ الجائر سيظلّ محاطاً بكلِّ مشاعر الكراهية والعداء والحقد والبغضاء، لا يعيش في أمان، ولا ينعَم بسلام، حياتُه في قلق، وعيشه في أخطار وأرق؛ لأنَّ الظلم جالبُ الإحن ومسبِّب المحن، والجَور مسلبةٌ للنعم مجلبة للنقم، وقد قيل: الأمن أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش.
إن تحقيق العدل ونبذَ الظلم والجور مدرأةٌ لغائلة كلِّ محذور، وضمانةٌ لدفع سائر الشرور من غير بذل مونة واستمداد معونة.
أيها المسلمون، قد يُنعم الله على الكافر نِعمَ نَفْع أو نعمَ دَفْعٍ أو نعَم رفْع، ولكنه إنعامٌ وإعطاء ما هو إلا استدراج وإملاء، وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [آل عمران:178]، وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ [الأعراف:183]، أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ [المؤمنون:55، 56]. إنه إغناءٌ مشوبٌ بالمصائب والأرزاء، منغَّص بالأمراض واللأواء، مكدَّر بالخوف والرعب وعدم الهناء، وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِىَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [الرعد:31]، لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلاـٰدِ [آل عمران:196]، لا يغرّنَك ما هم فيه من الاستعداد والإمداد، لا يغرنَّك ما هم فيه من التعالي والاستبداد، لا يغرنَّك ما يملكون من القوة والعدّة والعتاد، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران:197]، فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36].
أيها المسلمون، إنَّ ما أصاب المسلمين من التخلّف والتقهقر والضعف والتأخر ونزع المهابة والهوان والعدوان إنما هو عاقبة الفسوق والعصيان، فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((يوشك الأممُ أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها))، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: ((بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله من صدور عدوّكم المهابةَ منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن))، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: ((حبّ الدنيا وكراهية الموت)) أخرجه أبو داود[4]، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: ((إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلَّط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)) أخرجه أبو داود[5].
طمعٌ يهدي إلى طبع، وطمَع فيما ليس فيه مطمع، شهواتٌ ومُتع، ودنيا مؤثَرة وهوًى متَّبع، أجيالٌ مردت على العبث، مجتمعاتٌ فشت فيها قنواتُ الخبث، تلاعبٌ بالمرأة بكلِّ وقاحة وجرأة، والربا صار كالمباح، لا حرج فيه ولا جناح، وأيدي الظلمة امتدّت إلى الفقراء والضعاف بالتسلّط والإجحاف والقهر والإتلاف، فجباةُ الأموال بغيرِ حقِّها ظلمة، والمانعون لحقوق الناس ظلمة، وآخذُو الملك من يد مالكه من غير عِوضٍ ولا سبب ظلمة، وباخسو العمّال حقوقَهم ظلمة، والثلة إذا نام عنها راعيها عاث طُلْس الذئاب فيها. فعلى كلِّ من آتاه الله رئاسةً تامة وزعامة عامة أن يقوم بالعدل والسلطان؛ لتنكفَّ بسطوته الأيدي المتغالية، وتمتنع من خوفه النفوس العادية، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إنه لا قدّست أمة لا يأخذُ الضعيف فيها حقَّه غيرَ متعتَع)) أخرجه ابن ماجه[6].
أيها المسلمون, وفي الأمة من الانحراف العقديّ والفساد القلبيّ ما يوجب الخذلانَ والحرمان، ففي عالم الأمة المسلمة أضرحةٌ تُعبَد، وقبورٌ تُحجّ وتُقصَد، ويذبح لها ويسجَد، ويُعفّر عندها الوجه والخدّ، ويطلب منها العون المدّ، والغوث والنهد، أفعالٌ تناقض دينَ محمد . فعلى الأمة أن تبذل الجهود والأوقات والنقود، وأن تجنّد الدعاة والجنود لنشر عقيدة التوحيد، ومحاربة ألوان الشرك والتنديد، لتنكشف عنا الغمة والأحداث الملمَّة.
وليعلمْ الداعيةُ إلى الإسلام أن خيرَ ما أسال فيه مدادَه وأكثرَ فيه نصحه وإرشاده وأوجب ما أعدَّ لحمايته آلتَه وعتادَه وقدح لأجله زِناده توحيدُ الله بالعبادة والقصد والإرادة.
أيها المسلمون، إننا نعيش في قوّة وصحة وأمن، توجب الشكرَ لله ذي المنّ، وإنَّ من حقّ الله علينا وحقّ أجيالنا وأوطاننا أن نكون أوفياءَ للإسلام أمناءَ على الإسلام، وأن نتطهّر من المذامّ، وخبيث البثّ والإعلام، وأن نقومَ على أجيالنا أصدقَ قيام، بالتربية والتأديب، والتقويم والتهذيب فلن تُصان حمى الأوطان بمثل طاعة الرحمن، هذا طريق الخروج من الهوان، هذا سبيل النصر بان، هذا وقتُ التصحيح حان، فاستديموا بالطاعة النعم، برغيد عيشها وطيب أمنها ونفيس زينتها، واسترشدوا بالعلماء الربانيين الذين هم طبّ القلوب ومرايا المحاسن والعيوب، وهم أرفع الناس قدراً، وأسلمُهم فكراً، وأمكنُهم نظراً، واحذروا دُعاةَ الانفتاح والتجديد الذي ما هو إلا ضربٌ من التبعية والمسايرة والتقليد لحياة شرّ الخلق والعبيد، ولا تكونوا ممن صدف عن سواء الصراط، وحاد عن سبيل الرشاد، وسلك سبيلَ الكبر والعناد، لا تكونوا أغفالاً من حسن الاعتبار وصحيح الادّكار، فتزلّ بكم جائحة العقوبات، وتجوسَ خلالكم بوادر النقمات، وأصيخوا السمع ـ أيها الجمع ـ لقول الله جل في علاه: الَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ [الأنعام:82].
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] الفلج هو الظفر.
[2] أخرجه البخاري في التفسير (4686)، ومسلم في البر (2583).
[3] أخرجه أحمد (2/445)، والترمذي في الدعوات (3598)، وابن ماجه في الصيام (1752) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: "حديث حسن"، وصححه ابن خزيمة (1901)، وابن حبان (7387)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (1358).
[4] أخرجه أبو داود في الملاحم (3745)، وكذا أحمد (5/278)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (958).
[5] أخرجه أبو داود في البيوع (3462)، وكذا أحمد (2/42، 84)، وصححه ابن القطان كما في التلخيص الحبير (3/19)، وقوّاه ابن القيم في تعليقه على سنن أبي داود (5/104)، وصححه الألباني بمجموع طرقه في السلسلة الصحيحة (11).
[6] أخرجه ابن ماجه في الأحكام (2426)، وكذا أبو يعلى (1091) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة (3/68)، والألباني في صحيح ابن ماجه (1969).
...............................
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أكمل لنا الدينَ وأتمّ علينا النعمة، وجعل أمتنا خير أمة، أحمده على نعمه الجمّة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تكون لمن اعتصم بها خيرَ عصمة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربّنا رسولاً منا، يتلو علينا آياته وزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.
أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا الله فإن تقواه أقوى ظهير وأوفى نصير، كلُّ أمر عليه يسير، وكلّ شيء إليه فقير، والأمور إليه تصير، وهو السميع البصير، لا يخفى عليه ما وقع على أهل الإسلام من الظلم الكثير والجور الكبير، وإنَّ الله على نصرهم لقدير.
أيها المسلمون، الدهرُ طعمان حلو ومرّ، والأيام طرفان عسرٌ ويُسر، وكلّ شدّة إلى رخاء، وكل غمرة فإلى انجلاء، وإنَّ بعد الكدر صفوًا، وبعد المطر صحوًا، والشمس تغيب ثم تشرق، والروض يذبل ثم يورق، ولله أيام تنتصر من الباغي وتنتقم من العاثي، ومن عرف الله في الرخاء عرفه في الشدائد، وصرف عنه المكائد، وحفظه وهو نائم وقائم وصاحٍ وراقد، فتحلَّوا بالطاعة، والتزموا الجماعة، وإياكم والتشاحن والتطاحن، واحذروا الجدل، وعليكم بالجد والعمل، واعلموا أنَّ من فعل ما شاء لقي ما ساء، ومن أصلح فاسدَه أهلك حاسدَه، وأحسن الجُنة لزومُ الكتاب والسنة على نهج سلف الأمة، يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءامَنُواْ وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ [محمد:7-11].
عباد الله، إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وثلَّث بكم أيها المؤمنون من جنه وإنسه، فقال قولاً كريماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلا ِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين...
وهذا الرابط الصوتي لها :
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=18434&scholar_id=216
نسئل الله النصر للمسلمين على أعداء الدين من اليهود والنصارى الحاقدين .
الله يجزاك الجنة .. وتراني كل يوم أفتح أنتظر هذه المشاركة ..
بارك الله فيك وجعلها في ميزان حسناتك .. بالنسبة لي .. موقع المنبرما يفتح معي ..
ولم أجد إلا الروابط الصوتية فقط ..
ضيف خفيف
22-12-2002, 11:11 PM
وغدا انتظريني إذا شاء الله عز وجل سوف اسرد لكي خطبة قديمة راااائع للشيخ /// عبدالرحمن الحذيفي .
وهي خطبة مدمرة .
اللهم آمين ...... وبارك الله فيك أختنا الفاضل فداء على المتابعة .
وأما بالنسبة للروابط فهي تعمل ولربما لا يعمل لديك الروابط عندك .
وأشكرك جزيل الشكر وأعلمي كلما تتوفر خطبة رائع ن
ضيف خفيف
24-12-2002, 12:16 AM
خطبة "اخرجوا اليهود والنصارى" ألقيت بوم الجمعه ال15 من ذي القعده عام 1418 بوجود امام الضلاله رفسنجاني
فاتقوا الله أيها المسلمون اتقوا الله حق التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى عباد الله إن أعظم نِعم الله على الإنسان الدين الحق الذي يحيي الله به من موت الكفر ويبصره الله به من عمى الضلالة قال تعالى: (أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها..) ودين الله في السماء وفي الأرض ودين الله للأولين والآخرين هو الإسلام ولكن الشريعة تختلف لكل نبي فشرع الله لكل نبي ما يصلح أمته وينسخ الله ما يشاء ويثبت ما يشاء بحكه وعلمه. وببعثة سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم نسخ الله كل شريعة وكلف الله الإنس والجن باتباعه والإيمان به قال الله تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض لا غله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون). وفي الحديث: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار). فمن لا يؤمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم فهو في النار ولا يقبل الله منه ديناً غير الإسلام قال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام). وقال تعالى: (ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). وقد بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بأفضل شريعة وأكمل دين جمع الله فيه كل أصل بعث به الأنبياء قبله عليه الصلاة والسلام (الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من يُنيب). وأحبار اليهود ورهبان النصارى يعلمون أنَّ دين محمد صلى الله عليه وسلم حق لكن يمنعهم من اتباعه الحسد والكبر وحب الدنيا والشهوات ولن يجدي ذلك عليهم شيء وقد حرف اليهود والنصارى قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كتابهم وغيّروا .
و بعد هذا العرض الموجز للحق والباطل يسؤونا نحن المسلمين الدعوة التي تنادي بالتقريب بين الأديان من جهة والتقريب بين أهل السنة والشيعة من جهة أخرى والذي ينادي به بعض المفكرين الذي تنقصهم أولويات وأساسيات في العقيدة ويزداد الأمر خطورة في هذا العصر الذي صارت فيه الصراعات دينية ومصالح ترتكز على الدين.
إن الإسلام يدعو اليهود والنصارى إلى أن ينقذوا أنفسهم من النار ويدخلوا الجنة ويدخلون في دين الإسلام الحق وينخلعوا من الباطل قال الله تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقل اشهدوا بأنا مسلمون). والإسلام يقر اليهود والنصارى على دينهم تحت حكمه إذا كانوا ملتزمين بأحكامه المالية والأمنية ولا يجبرهم على الإسلام لقول الله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي). ويبين الإسلام أنَّ دينهم باطل وهذا لسماحة الإسلام ونصحه للبشرية حتى يؤمن من يُؤمن ويكفر من يكفر.
ولو دخل اليهود والنصارى والمشركون في الإسلام لوسعهم وكانوا إخوة للمسلمين في الدين لأن الإسلام ليس فيه عنصرية ولا يتعصب للون ولا لعرق قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم .
وتاريخ الإسلام شاهد بذلك وأما أن يقرب الإسلام من اليهودية أو النصرانية فذلك بعيد كل البعد وهيهات هيهات أن يكون هذا قال تعالى: (وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت مسمع من في القبور).
وأما أن يقرب المسلم من اليهود والنصارى بمعنى أن يتنازل عن بعض أحكام دينه ويتساهل في تطويع دينه أو تطويع بعض أحكام دينه لأهوائهم أو يوادهم فذلك أيضاً لا يكون أبداً من المسلم الحق ولكن المسلم مع هذا نهاه دينه أن يظلمهم بل يقسط إليهم وهو مأمور بالمدافعة عن الحق وينصره ويُعادي الباطل ويكسره .
وأما الدعوة إلى التقريب بين الأديان فذلك يُنافي دين الإسلام ويوقع في فتنة وفساد كثير ويجر إلى خلط في عقيدة الإسلام وضعف في الإيمان وموالاة لأعداء الله تعالى وقد أمر الله المؤمنين أن يكون بعضهم أولياء بعض قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض). وأخبرنا الله تعالى أن الكفار بعضهم أولياء بعض مهما كانت مشاربهم فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض). كيف يكون هناك تقريب بين الإسلام واليهودية والإسلام في صفائه وضيائه ونوره وإشراقه وعدالته وسماحته وشموله وسمو أخلاقه وعمومه للإنس والجن واليهودية في عنصريتها وضيقها وحقدها على البشرية وانحطاط أخلاقها وظلماتها وطمعها كيف يقبل المسلم أن ترمى مريم الصديقة العابدة بالزنا الذي يرميه بها اليهود وكيق يقبل المسلمون أن يرمي اليهود المسيح بن مريم بأنه ولد الزنا .
كيف يكون تقريب بين القرآن وتلمود الشيطان؟ كيف يكون تقريب بين الإسلام والمسيحية؟. الإسلام دين التوحيد الصافي والتشريع الكامل والرحمة والعدالة والمسيحية التي تقول أن عيسى عليه السلام هو ابن الله أو هو الله أو هو ثالث ثلاثة الأب والابن وروح القدس فهل يقبل العقل أن الإله يشتمل عليه الرحم وهل يقبل العقل أن الإله يأكل ويشرب ويركب الحمار وينام ويبول ويغوط كيف يكون تقريب بين النصرانية الضالة التي هذه عقيدتها في عيسى وبين الإسلام الذي يعظم عيسى ويقول هو عبد لله ورسول من أفضل الرسل عليه الصلاة والسلام .
و كيف يكون هناك تقريب بين السنة والشيعة، أهل السنة الذين حملوا القرآن الكريم وسنة الرسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظ الله بهم الدين وجاهدوا لإعلاء منارة الإسلام و صنعوا تاريخه المجيد، والرافضة الذين يلعنون الصحابة ويهدمون الإسلام، فإن الصحابة رضي الله عنهم هم الذين نقلوا الدين لنا فإذا طعن أحد فيهم فقد هدم الدين.
كيف يكون تقريب بين أهل السنة والرافضة وهم يسبون الخلفاء الثلاثة وسبهم لو كان لهم عقول يفضي إلى الطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم فإن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما صهران لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيراه في حياته وضجيعاه بعد موته ومن ينال هذه المنزلة، وجاهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع غزواته ويكفي هذا الدليل لبطلان الرفض. وعثمان رضي الله عنه زوج ابنتين للرسول صلى الله عليه وسلم والله لا يختار لرسوله صلى الله عليه وسلم إلا أفضل الأصحاب فكيف لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم عداوة الخلفاء الثلاثة للإسلام ويحذر منهم إن كانوا صادقين بزعمهم، بل سب هؤلاء الثلاثة طعن في علي رضي الله عنه فقد بايع أبا بكر في المسجد راضياً وزوج عمر ابنته أم كلثوم وبايع عثمان مختاراً وكان وزيراً لهم محباً ناصحاً رضي الله عنهم أجمعين. فهل يُصاهر علي رضي الله عنه كافراً أو يُبايع كافراً؟ سبحانك هذا بُهتان عظيم .
ولعنهم لمعاوية رضي الله عنه طعن في الحسن رضي الله عنه الذي تنازل عن الخلافة لمعاوية ابتغاء وجه الله وقد وفق لذلك وحرضه صلى الله عليه وسلم على ذلك فهل يتنازل سبط رسول الله لكافر يحكم المسلمين؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .
وكيف يلعنون أم المؤمنين عائشة التي نص الله في كتابه على أنها أم المؤمنين في قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم .
وكيف يكون تقريب أهل السنة والرافضة وقد جعلوا الخميني إما الضلالة معصوماً حيث أقروه على أنه نائب مهديهم الخرافة الذي قالوا بأنه دخل سرداب سامرا والنائب له حكم المستنيب فإذا كان المهدي معصوماً فالخميني معصوم لأنه نائب له فماذا هذا التناقض؟ إن الرافضة في قولهم في ولاية الفقيه قد نسفوا مذهبهم من أساسه والباطل يحطم بعضه بعضاً ويشتمل ويتضمن على الردود وتحطيم نفسه بنفسه وأهل البيت براء منهم ومن هذا القول والأدلة على بطلان مذهب الرافضة شرعاً وعقلاً لا تحصى إلا بالمشقة… ألا فليدخلوا في الإسلام وأما نحن أهل السنة والجماعة فلن نقترب منهم شعرة واحدة أو أقل من ذلك فهم أضر على الإسلام من اليهود والنصارى ولا يوثق بهم أبداً وعلى المسلمين أن يقفوا بالمرصاد قال تعالى: (هم العدوّ فاحذرهم قاتلهم الله أنى يُؤفكون). إن نسب الرفض يعود إلى عبد الله بن سبأ اليهودي وإلى أبي لؤلؤة المجوسي.
إذاً معشر المسلمين لابد أن يتميز المسلم في عقيدته فيحب ما أحب الله ويكره ما يكرهه الله ويتناصر المسلمون ويكونوا يداً واحدة فإنّ أعداء المسلمين جمعهم على عداوة المسلمين دينهم وعقائدهم الكافرة قديماً وحديثاً. قال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم)، وما غرسوا الدولة الصهيونية في فلسطين إلا لحرب الإسلام وزعزعة المنطقة وكان من آثار استعمارهم للعالم الإسلامي أمراض عقدية واجتماعية ما زال يُعاني منها المسلمون ومن أعظم ذلك إلغاء المحاكم الشرعية في العالم الإسلامي وإحلال القوانين الوضعية والمحاكم القانونية بدلاً عنها لكن هذه المملكة!! ولله الحمد هي التي بقيت محافظة على المحاكم الشرعية التي تحكم بشريعة الله تعالى وتحمل راية التوحيد بين الدول .
و في الآونة الأخيرة صار اليهود والنصارى يختلقون مشاكل للمنطقة ويتذرعون بها للتواجد العسكري ومن أسباب ذلك سلسلة من الانقلابات العسكرية التي بُليت بها المنطقة باسم أحزاب ومذاهب كافرة كالبعث والقومية والاشتراكية التي لا تمت إلى الإسلام بخيط أو بشعرة من الصلة فأبرزت مثل صدام فهذه الأحزاب وهذه المذاهب مثل صدام حسين وحورب لذلك الدين والعلم ولا نبوغ. واستخدمت التصفيات الجسدية وأسكتت أصوات الحق وهاجرت الكفاءات إلى الغرب فضعفت تلك الدول التي أُصيبت بالانقلابات وكل ما جاءت أمة منهم لعنت ما قبلها والعياذ بالله. ولا تزال بعض البلاد العربية تعتبر صلاة الجماعة جريمة يُعاقب عليها فلا حول ولا قوة إلا بالله فأين النصر والعزيمة والكرامة.
و بعد أن تمهدت الأسباب للدول الكبرى صاروا يفتعلون الأحداث الصورية للتدخل العسكري بعد أن تدخلوا اقتصادياً وباتت نوايا الدول الكبرى ظاهرة ضد استقرار المنطقة وتقسيمها إلى دويلات صغيرة متحاربة وبدافع العداء الديني فإن عداء الدول الكبرى لدولة الحرمين الشريفين أعزها الله أشد وأعظم لأنها هذه المملكة حصن للإسلام فأصبحت نوايا أمريكا وبريطانيا ومن دار في فلكهم ظاهرة السوء بُغية إلحاق الضرر. بل عداء الدول الكبرى كلها وعداء الدول الكافرة كلها ضد الإسلام والمسلمين ولا يوثق بواحدة منها أبداً فبغية إلحاق الضرر والعنت بهذه المملكة في التلويح بتهديدها في مرافقها الحيوية أو سلامة وحدة أراضيها. ألا فلتعلم أمريكا أن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها متضامنون مع دولة الحرمين الشريفين أعزها الله لأنها هذه المملكة المعقل الأخير للإسلام وكل هذه النوايا السيئة من الدول الكبرى كل ذلك لستة أمور .
الأول: ضمان استقرار دولة العدوّ الصهيوني.
الثاني: بناء هيكل سليمان .
الثالث: المحافظة على بقاء التفوق العسكري اليهودي على دول المنطقة .
الرابع: السيطرة على ثروات المنطقة حتى لا يكون لأهلها إلا فتات الموائد .
الخامس: القضاء على الدعوة للإسلام .
السادس: الدعوة إلى كل ما يُضاد الإسلام وهدم كل خلق كريم وبقاء دول المنطقة في صراعات دائمة .
يا معشر المسلمين لكم عبرة في تركيا حكمت بالعلمانية منذ ظهر عليها اللعين كمال أتاتورك وطبق عليها الكفر قهراً ونبذ حكامها الإسلام وحاربوه على كل صغير ولا يزالون يُحاربونه وتحالفوا عسكرياً مع اليهود ولم يرضوا لها إلا أن تكون خادماً مُطيعاً فحسب بل لم يدخلوها معهم في أي حلف وذنبها لأنها كانت حامية للواء الإسلام في يوم مضى فأنتم مهما تنازلتم فلن يرضوا عنكم أبداً بل دافِعوا عن حقكم ودافِعوا عن دينكم. العداء ديني يا معشر المسلمين العراق لماذا يُحاصر شعبه ستة سنين ما ذنب الضعفاء لأنهم مسلمون لا غير .
صدام لن يتضرر هو وحزبه ويزعمون أن العراق لم ينفذ قرار الأمم المتحدة وهو قرار واحد والعدوّ الصهيوني لم ينفذ ستين قراراً بل لم توقع دولته على حظر الأسلحة النووية في منطقة ملتهبة تغلي بالبراكين والفتن لا تصلح أسلحة الدمار الشامل لها فإن صدام وحزبه ينفذون ما يُريده أعداء الإسلام.
نصيحتي لأمريكا أن لا تتدخل في شؤون المنطقة فدول المنطقة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية هم المسؤولون عن المنطقة!! ولا تغتر أمريكا بقوتها فقد جرت سنّة الله أن قوة زائد ظلم يُساوي دمار الدولة والدمار من ربِّ العالمين إذا غلب المستضعفون على تلك الدولة العاتية الكافرة فالتكنولوجيا ليست كل شيء إنما الأمر يعود إلى الإيمان… أمن المنطقة لدول المنطقة هو من حقهم وما سبب المشاكل للمنطقة المزعزعة إلا الدول الكبرى التي تفتعل الأحداث وتتواجد كلما افتعلت حدثاً بذريعة أنها تقوم بذلك وأنها تصلح الوضع أو تدرأ الخطر وهي أكبر وكيف يكون الذئب راعياً للغنم؟
إن العداوة دينية يا عباد الله وأمريكا ليس لها من أمرها شيء وإنما يقودها اليهود صاغرة إلى حيث يُريدون والمسلمون لا يقبلون تواجدها العسكري ولا تواجد غيرها من أي دولة كافرة بأي حال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يبقى بجزيرة العرب دينان). وأخر وصيته عليه الصلاة والسلام: (أخرِجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب). فيجب العمل بذلك .
وأنتم معشر المسلمون تخيم عليكم سحب الإنذار فعليكم بالتوبة إلى الله فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة… يا من عصيتَ الله بالخمر تُبْ إلى الله فإنك بهذا تُساهم بالإصلاح لمجتمعك. يا من عصيتَ بالزنا.. ويا من عصيتَ الله باللواط تُبْ إلى الله.. يا من عصيتَ الله بالمخدرات تُبْ إلى ربك فإنك عما قريب سترجع إليه… يا من عصيتَ الله بترك الصلاة تُبْ إلى الله عز وجل… يا من عصيتَ بظلم مسلم في ماله وفي عرضه تب إلى ربك.. طهروا أموالكم من الربا فهو من أسباب الحروب والدمار وطهروها من المعاملات ما لا يتفق مع دين الإسلام ونصوص الشريعة حتى تكون جميع أنواع المعاملات في البنوك خاضعة لأحكام الإسلام موافقة لها.. ادعوا إلى الله أيدوا الدعوة إلى الله عز وجل إلى الإسلام .
علموا المسلمين اعتنوا بالمناهج في مناخ دول العالم الإسلامي المناهج الإسلامية والدعوة إلى الله تبارك واجب كلّ مسلم ويجب أن يُوجهها العلماء الموثوق بعقيدته والموثوق بعلمهم وباستقامتهم والذين ترجع إليهم الفتوى ويرجع إليهم المسلمون فيما عرض لهم من الأمور التي يحتاجونها الذي يتطابق مع كتاب الله وسنة رسوله. واحذروا الحزبيات المفرقة. واحذروا الأهواء المشتتة. واحذروا من عقاب الله وعذابه بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم وبهدي سيد المرسلين وبقوله القويم.. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
للأستماع الى الخطب :
rtsp://66.34.124.191/alsalafyoon/Hudaify/HudaifyRawafid.rm
خطبة تدميريه .
بارك الله فيك ..
اختيار موفق للموضوع ..
نصر الله من نصر الدين .
ضيف خفيف
26-12-2002, 05:39 PM
هذه أحد خطب الراااائع للشيخنا الفاضل عبدالرحمن عبدالخالق الله يطيل في عمره على طاعته وأن يبارك في علمه ومن المشائخ الذين يصدعون بالحق ولا يخفون في الله لومة لائم .
وعنوان الخطبة :
الكذب رأس الخطايا
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن خير الكلام كلا الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
أيها الأخوة الكرام:
الذنوب تعظم وتصغر، أعني منها كبائر وصغائر، وقد بينا في الخطبة السابقة بعض هذه الكبائر كما نص على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وهي الشرك بالله، وقتل الولد مخافة أن يطعم مع أبيه، وكذلك قال النبي: [وأن تزاني حليلة جارك] (أخرجه البخاري (8/163 الفتح)، ومسلم (86)).
وفي سياق معرفة كبائر الذنوب وصغارها، نبدأ بذنب من أعظم الذنوب وهو الكذب، وذلك أنه رأس الخطايا جميعاً، كما أن الصدق هو رأس الهدى، كما ثبت من حديث ابن مسعود في الصحيحين أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب يتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً] (أخرجه البخاري (8/163 الفتح)، ومسلم (2606)).
هذا حديث عظيم من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يبين فيه أن الصدق هو رأس كل خلق حسن، وهو الذي يهدي صاحبه إلى كل بر، وإلى كل توفيق، وإذا وفق للبر فلا شك أن طريق البر هو طريق الجنة، وكذلك الكذب هو رأس الخطايا وهو بدايتها وهو الذي يهدي إلى كل فجور، والفجور لا شك أنه طريق النار.
الكذب كلمة كبيرة معروفة تشمل عناصر كثيرة، ولا شك أن المعصية بالكذب أو هذه الكبيرة تكبر يعظم نوع الكذب، وقد يكون صغيرة.
فمتى يكون الكذب كبيرة عظيمة من الكبائر؟ ومتى يكون صغيرة من الصغائر؟.
يعظم الكذب إذا كان كذباً على الله سبحانه وتعالى، هذا أعظم الكذب.
قال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} (الأنعام:21).
فأعظم الذنوب هي افتراء الكذب على الله تبارك وتعالى، وهو من اتباع خطوات الشيطان، كما قال تبارك وتعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين. إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} (البقرة:168،169).
أعظم الكذب على الله ادعاء النبوة، هذا أعظم كذب على الله تبارك وتعالى، من ادعى نبوة فلا شك أنه من أعظم المفترين والكاذبين على الله تبارك وتعالى، ولذلك كان الأنبياء الكذابون هم أعظم الناس عذاباً عند الله تبارك وتعالى، ولذلك برأ الله تبارك وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم والأنبياء الصادقين بأنه لم يكونوا ليقترفوا هذا الإثم العظيم، وهو من أعظم الذنوب، والمعلوم أن محمداً صلى الله عليه وسلم، والأنبياء الصالحين كانوا من أتقى الناس ومن أخوف الناس، وكانوا يتورعون من الكذب على الخلق، فكيف يقتحمون الكذب على الله سبحانه وتعالى.
من الكذب على الله أن تقول أحل الله تبارك وتعالى كذا ولم يحلل هذا، وحرم الله تبارك وتعالى كذا ولم يحرم هذا، وقد عنف الله تبارك وتعالى الكفار في ادعائهم ما شرّعوه لأنفسهم أنه من عند الله تبارك وتعالى.
فقال جل وعلا: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم} (النحل:116،117).
هنا لام الله تبارك وتعالى المشركين في أنهم كانوا يحلون ويحرمون بأهوائهم، ويقولون: هذا ما أحله الله وهذا ما حرمه الله تبارك وتعالى، ولذلك أصل المسلمون أصلاً عظيماً في أنه لا يجوز لمسلم أن يقول إن الله أحل كذا أو حرم كذا إلا أن يكون الله تبارك وتعالى قد نص على تحليل هذا الأمر، ولا شك أن إثم المحرم كإثم المحل، بعض الناس يتهاون في التحريم، وذلك في زعمه منعاً وحماية لجانب الدين، وقد يتورع في التحليل في أن يحل شيئاً وهو حرام عند الله تبارك وتعالى، لكنه قد يقحم نفسه في أن يحرم ما لم ينص الله تبارك وتعالى على تحريمه، ولا شك أن التحريم والتحليل سواء، فلا تُحرِّم ولا تُحلِّلْ، ولا تقل حرم الله كذا وأحل كذا إلا أن يكون عندك نص وبرهان من الله تبارك وتعالى، فإذا نص الله عز وجل على أن هذا شيء حلال فأحله، وإذا نص على أنه حرام فحرمه، وإذا لم يوجد فيه نص لا بتحليل ولا بتحريم، فهذا ينظر فيه أهل العلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه..] (أخرجه البخاري (52 الفتح)، ومسلم (1599) عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما).
في الحديث فقرة وهي: [لا يعلمها كثير من الناس].
فكثير من النسا قد يشتبه عليه ما ليس فيه نص من كتاب الله، ومن سنة النبي، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المتورع أن يترك ما يظن فيه بأساً خوفاً من أن يكون فيه بأس، وشبه النبي صلى الله عليه وسلم من يدخل في الشبهات في الأمر المشتبه الذي قد يكون حلالاً، وقد يكون حراماً لا نص فيه، حذر النبي من الاقتحام فيه كمن يحوم حول الحمى يوشك أن يقع فيه، لكن لا يجوز لمسلم أن يقول في الأمر المشتبه إن الله حرمه أو إن الله أحله هكذا بصريح العبارة، وإنما ينبغي أن يقول هو يشبه الحلال، أو هو يشبه الحرام كما قرر هذا في موضعه من أصول الفقه، أنه لا يجوز الافتراء على الله تبارك وتعالى بأن تقول أحل الله هذا الأمر، أو حرم هذا الأمر، وليس في هذا نص من كتاب الله ولا من سنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً ينبغي للمؤمن بإزاء الله تبارك وتعالى بإزاء شرع الله عز وجل ألا يتقول على الله، إياك والتقول على الله تبارك وتعالى، وأن تقول على الله عز وجل مقتحماً الكذب، فإذا كنت تتعمد هذا، فلا شك أن فاعل هذا كافر خارج من دين الإسلام، أما إذا كان هذا بجهل فإن هذا من اتباع خطوات الشيطان كما قال الله تبارك وتعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} (البقرة:168،169).
فهذه الآية أصل عند علماء الأصول في أن الأصل في الأشياء الحل، إلا ما حرمه الله تبارك وتعالى، الأصل في الأشياء الحل لأن الله يقول: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً}.
الذي في الأرض كله كلوه حلالاً طيباً، ثم بين أن المحرم مفصل وأن الحلال متروك كما قال تبارك وتعالى: {وقد فصَّل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} (الأنعام:119).
الذي في الأرض كله كلوه حلالاً طيباً، ثم بين أن المحرم مفصل وأن الحلال متروك كما قال تبارك وتعالى: {وقد فصَّل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} (الأنعام:119).
فالحرام مفصل والحلال ما سوى ذلك، ولذلك الأصل في الأشياء الحل، كما أخذ بذلك علماء الأصول فقالوا: الأصل في الأشياء هي الحل، والتحريم استثناء، والتحريم لابد أن يكون بنص، فإذاً لا تُقْحِمْ نفسك في أن تقول حرم الله تبارك وتعالى كذا وليس عندك دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه.
احذر أن تتقول على الله تبارك وتعالى بغير علم، إذا تعمد متعمدٌ هذا وقال: حرم الله تبارك وتعالى هذا وهو يعلم أن الله لم يحرمه، فهذا كافر خارجٌ من دين الإسلام متقول على الله تبارك وتعالى أما إذا ظن واجتهد في زعمه ونسب هذا التحريم إلى الله تبارك وتعالى، وليس على بينة منه، فهذا لا شك أنه كذلك لا يجوز وهو من اتباع خطوات الشيطان، بل يجب على المؤمن أن يتورع ويقول: أظن هذا.
ربما يكون هذا أشبه بالحرام.
وربما يقاس هذا على الحرام الفلاني.
وربما من هذا الباب، وذلك أن هذه الأمور الاجتهادية إنما هي أمور ظنية وليست بقطعية، القطعي هو المنصوص عليه، وأما الاجتهادي فهو ظني، أرجو أن يفهم هذا الكلام حق الفهم، وأن يدرك.
الاجتهادي ظني كل أمر اجتهادي فهو ظني لأن الاجتهاد إنما هو ظن بحكم شرعي، وأما الأمور القطعية فهي ما نص الله تبارك وتعالى عليها، أو نص عليه رسوله صلوات الله وسلامه عليه أو أجمعت عليها أمة الإسلام، هذا هو القطعي، هذه هي الأمور القطعية، وما سوى ذلك من أمور اجتهادية فهي أمور ظنية يصيب فيها المجتهد ويخطئ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم واجتهد فأخطأ فله أجر واحد] (متفق عليه) فلما كان المجتهد يصيب ويخطئ كان أمراً ظنياً، وليس أمراً يقينياً ولا قطعياً.
هذه واحدة.
أيضاً من الكذب العظيم الكذب على النبي صلوات الله وسلامه عليه، وذلك أن النبي في مقام المشرع بشرع عن الله تبارك وتعالى، باعتباره مُفوضاً وكل كلام النبي تشريع صلوات الله وسلامه عليه، ولا شك أن منزلة كلامه من الأخذ والعمل كمنزلة كلام الله تبارك وتعالى سواء بسواء في العمل يعني يجب أن نعمل بكلام النبي كما نعمل بكلام الله سبحانه وتعالى.
كما قال سبحانه وتعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (النساء:80).
فطاعة النبي هي طاعة لله سبحانه وتعالى، لأن النبي لا ينطق من عند هواه، وإنما يقول عن الله تبارك وتعالى ويتكلم عن الله عز وجل، لذلك كان الكذب على النبي هو الكذب على الله تبارك وتعالى، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الصحيحين، بل هو حديث متواتر روي من وجوه كثيرة جداً: [من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار] (انظر صحيح الجامع الصغير (6519)).
فمن كذب على النبي متعمداً، فلا شك أنه -يعني- قد تبوأ مقعدة من النار، وهذا لا خلاف في كفره وخروجه من دين الإسلام إذا تعمد الكذب على النبي وقال يقول النبي كذا، وهو يعلم أن النبي لم يقله، أو نهى النبي عن كذا، أو أمر بكذا ولم يقله رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولم ينه عنه، فلا شك أن هذا مرتكب كبيرة من الكبائر تخرجه من دين الإسلام عياذاً بالله، كذلك الأمر لا يجوز أن نقول كما يقول كثير من الجهلة في أمر حادث أمر جديد لو كان النبي موجوداً لأحل هذا أو لحرم هذا أو لقال في هذا الأمر الفلاني كذا، وما يدريك؟ وما يدريك أن النبي لو كان موجوداً لقال ما تقول واجتهد كما تجتهد؟ وفعل كما تفعل؟ هذا من الكذب على النبي صلوات الله وسلامه عليه وإنما يجب أن تقول في أي أمر لم يقله النبي أمر اجتهادي تقول الظن في هذا الأمر اجتهد في هذا الأمر ورأيي هو كذا وكذا، لا أعلم فيه سنة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كان حال الصحابة عندما يسألون عن حكم لا يعلمون فيه سنة للنبي صلى الله عليه وسلم يقولوا: "لا نعلم فيه سنة وإنما أقول فيه برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان".
إذاً لا تقحم النبي في أمر اجتهادي، وتقول لو كان موجوداً في هذا الأمر لحكم بكذا ولقضى بكذا وما يدريك؟ وما يدريك أن يكون الحكم على خلاف ذلك، بل قل هذا حكمي وهذا ظني وهذا اجتهادي ولا أنسبه إلى الله ولا أنسبه إلى رسوله صلوات الله وسلامه عليه، إن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، تعمد الكذب على النبي كفر، والخطأ في هذا كبيرة، والتقحم في هذا ونسبه الأمر إلى النبي لا شك أنه من الكبائر لا تقحم النبي صلوات الله وسلامه عليه في أمر تجتهد به أنت وتراه أنت لأن الأمر قد يكون على خلاف ذلك.
ثم بعد ذلك يأتي الكذب على المؤمنين.
الكذب على عباد الله تبارك وتعالى، ولا شك أن الكذب على عباد الله عز وجل كذلك يتفاوت، فأعظم الكذب على عباد الله أن تكفر مؤمناً وأنت كاذب أن تقول: قال كذا فكفر به، وأنت تعمل أنه لم يقله وهذا كفر بالله تبارك وتعالى وخروج من الدين كما قال صلى الله عليه وسلم: [من قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما] (أخرجه مالك (984) والبخاري (10/514 الفتح).
علماً أن هذا قد يكون في غضب، وقد يكون في سب، أما إذا كان في هدوء ولم يكن في سب أو تقول وكان في نقل أنت تعلم أنه كذب فلا شك أنك تكفر بها: [من كفر مسلماً فقد كفر] إذا كفرت مسلماً وأنت تكذب عليه وتنقل عنه ما لم يقل، وتقول ما لم يقل، وتقوله ما لم يقل، أو تلزمه بلازم قوله ولا يلتزم هذا اللازم ولا يقول به وتكفره بذلك لا شك إنك تكفر وتخرج من دين الله تبارك وتعالى، لأن من ادعى في مؤمن بأنه كافر وليس كما قال إلا حار عليه، وكذلك إذا اتهمته بما يلعن به أو يفسق به أو يبدع به وليس كذلك فأنت أحرى بهذا الوصف يرجع عليك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً، فإذا لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لُعن، فإن كان لذلك أهلاً، وإلا رجعت إلى قائلها] (أخرجه أبو داود (4/277) وحسنه الألباني انظر الصحيحة (1269)).
إذاً الافتراء على المؤمنين منه كبائر عظيمة، ومن هذه الفرى اتهامهم بالزنا، وقد نص الله تبارك وتعالى على أن هذا كبيرة عظيمة توجب عقوبات ثلاث كما قال تبارك وتعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون} (النور:4).
ثلاث عقوبات لمن قال عن مؤمنة، أو محصنة أنها زانية، أو أنها بغي، أو أنها بنت زنا، أو إن أمها كذا، أو نحو ذلك كله، إذا اتهمت مسلمة محصنة بالزنا، فلا شك أنه إما أن يكون صدقاً أو لا يكون صدقاً إلا بأن يأتي الرامي بأربعة شهداء يشهدون هذا كما قال تبارك وتعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} (النور:4).
يعني حتى وإن كان صادقاً فهو كاذب، إذا تلكم ولا يملك بأن يأتي بأربعة شهداء، قال تبارك وتعالى: {فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا..} (النور:4).
فهؤلاء لا شك أنه إجماعاً رمي المحصنين كرمي المحصنات، أعني أن من رمى مؤمناً محصناً ذكراً فكذلك حكمه حكم من رمى محصنة، الآية نصت على المحصنات ولكنها لم تذكر المحصنين، ولا شك أن الحكم واحد، إجماعاً ولا فرق بين المسلمين بتاتاً أقول ولا خلاف بين أهل الإسلام جميعاً أن من رمى رجلاً كمن رمى امرأة، من رمى رجلاً مؤمناً محصناً كمن رمى امرأة محصنة، فالرمي بالزنا كبيرة من الكبائر إن لم يأت صاحبه بأربعة شهداء يشهدون هذا، وإلا كان عقوبته ثلاث عقوبات كما نص الله بتارك وتعالى، الجلد، وأن ترد شهادة أبداً ولا تقبل منه لا على عقد زواج ولا على عقد بيع، ولا عقد تجارة ولا على أي عقد بتاتاً، ثم يكون فاسقاً عند المؤمنين يظل بهذا، ثم قال الله تبارك وتعالى: {إلا الذين تابوا}، والبعض يرى أن هذا الاستثناء راجع إلى الفسق فقط، والبعض يرى من الفقهاء أنه راجع إلى الأمرين إلى قبول الشهادة، وإلى انتهاء الفسق، وأما الحد، فواجب إذا وصل إلى السلطان، ولا يسقط بالتوبة إذا وصل إلى السلطان ولا يسقط بالشفاعة يعني لا يجوز الشفاعة فيه لأنه حد من حدود الله تبارك وتعالى، بعكس حدود القصاص قد تسقط بالشفاعة إذا قبلها أولياء الدم، وقد تسقط بالتنازل من أولياء الدم أنفسهم، أما حد القذف وحد السرقة والحدود الأخرى غير القصاص فإنها حدود من حقوق الله تبارك وتعالى لا تسقط لا بشفاعة ولا بتنازل أي إن تنازل صاحب الحق الذي سب المسبوب ذهب للحاكم، وقال له: تنازلت عن من سبني، لا يسقط الحد لابد أن يحد لأن هذا من حقوق الله سبحانه وتعالى، وهذا بعكس القصاص، الشاهد أن الافتراء على مسلم برميه بأنه ابن زنا أو هو زان أو من هذا السبيل فهذا لا شك أنه كبيرة من الكبائر، وقد قال تبارك وتعالى: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة} (النور:23).
لعنهم الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة، وكذلك قد أعد لهم عذاباً عظيماً.
كذلك من الكبائر الكذب على أهل الإيمان أن تكذب عليهم بما يوجب حداً غير القذف، فإذا كذبت على مؤمن بأنه قاتل، وليس كذلك، وأنه سارق وليس كذلك، وأنه خائن وليس كذلك لا شك أن هذا كله من الفرى وأنت محاسب على ذلك بين يدي الله تبارك وتعالى، أما إذا لم يوجب حداً وكان نوعاً من الفرية فهو كبيرة من الكبائر والدليل على ذلك أن الغيبة يعدها بعض العلماء كبيرة علماً أنها صدق، وأما الكذب بهتان أكبر من هذا كما نهى النبي عن الغيبة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: [ذكرك أخاك بما يكره]، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: [إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته] (أخرجه مسلم (2589)).
فالذي نتكلم عنه إنما هو البهتان، فإذا كانت الغيبة وهي صدق من الكبائر، فكيف بالبهتان لا شك أنه من أكبر الكبائر، وأقول الغيبة من الكبائر لقول الله تبارك وتعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم} (الحجرات:12).
لذلك عدّ بعض علماء المسلمين الغيبة من الكبائر علماً أن الغيبة صدق، أما البهتان فهو من أعظم الكبائر على المسلم، ومن أعظم الكبائر التي ترتكب، وهي تتفاوت كما ذكرنا، فإن كان الكاذب كذب عليه في أنه كفر ولم يكفر فهو كافر، أو بهته بما يستحق اللعن أو يستحق الحد، فلا شك أنه الأليق بهذا، إذاً الكذب يتفاوت، ولا شك أن الكذب قد يكون منه صغائر وهو الكذب في المزاح ونحو ذلك من الأمور التي يعلم الناس إنها كذب، فهذه صغائر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها علماً أنه توعد على بعضها كما جاء في الحديث: [ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويلٌ له، ويلٌ له] (أخرجه أحمد (5/3،5،7) وأبو داود والترمذي (2315) وقال: هذا حديث حسن).
فمجرد الإضحاك وإن كان أمر من الكذب، وهذا قد لا يكون فيه ضرر ما ولا أذية بمسلم معين وإنما أراد أن يضحك الناس بشيء لا يتعلق بمسلم معين.. وإنما يذكر مثلاً أو نكتة من النكات لا تتعلق بشخص ما هذه لا شك إنها قد تكون من الصغائر لكنها كذلك لا شك إنها مما يوجب الحذر لأنها كذلك من جملة الكذب.
على كل حال الكذب رأس الخطايا والإنسان الكذاب لا شك أن فيه رأس كل بلية وكل بلية تتأتى بعد ذلك من هذا الكذب وممكن للإنسان أن يتدرج فيبدأ بالكذب على الناس ثم يكذب على الرسول يريد أن يؤكدها لأن الكذاب يكذب كذبة ثم يريد أن يؤيد كذبته فيكذب كذبة ثانية، ثم يريد أن يؤيدها فيكذب كذبة ثالثة، ثم يريد أن يؤيدها فيكذب كذبة رابعة، وهكذا، وقد يتدرج به الكذب فيبدأ بالكذب على الناس، ثم يأتي بالكذب على الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ثم بعد ذلك يتدرج إلى الكذب على الله تبارك وتعالى، وقد يؤوِّل آيات الله عز وجل على غير معانيها ويحملها على غير معانيها ويعلم أن هذا التأويل كذب، فيكون كاذباً على الله تبارك وتعالى، ومتقولاً على الله عز وجل.
لذلك أقول مرة ثانية حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه: [وإن الكذب يهدي إلى الفجور].
بداية الذنب كذبة، تبدأ بكذبة إذا لم ترجع عنها وتستغفر الله تبارك وتعالى وتتوب ممكن يستدرجك الشيطان إلى كذبة ثانية ثم يستدرجك إلى رابعة تبدأ بالكذب على الناس ثم تنتهي بعد ذلك بالكذب على الله تبارك وتعالى، وهذا الحال دائماً.
الحال دائماً في الذنوب تبدأ هكذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في السارق: [لعن الله السارق، يسرق البيضة، فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده] (أخرجه البخاري ومسلم).
قيل معنى الحديث أنه يبدأ بسرقة الأمور الصغيرة ثم يتدرج به الأمر حتى يسرق الأمور الكبيرة فتقطع يده بالسرقة لأنه لا سرقة في أقل من ربع دينار، وهكذا الكذاب، يبدأ بالكذبات الصغيرة متهاوناً فيها حتى يصل به الشيطان بالكذب على الله سبحانه وتعالى.
إخواني:
الكذب مذمة ومنغصة عظيمة، والمسلم هو الصادق كما قال تبارك وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} (التوبة:119).
ينبغي أن تكون صادقاً، والإيمان الحق أن تقول الصدق ولو يضرك، ولا تقل الكذب ولو ينفعك.
جزاك الله خيراً .. ولاحرمك ثواب كل قارىء ..
خطبة الشيخ : سعود الشريم إمام وخطيب المسجد الحرام لهذا اليوم 23 شوال رائعة جداً ..
كانت تتحدث عن أسباب ضعف المسلمين .. وشعورهم بالانهزامية .. وطرق معالجة الوضع المتردي ..
فإن استطعت الحصول عليها فبادر ( غير مأمور ) بنسخها هنا .
عسى الله أن ينفع بك ..
ضيف خفيف
27-12-2002, 10:58 PM
بإذن الله فهي خطبة اليوم فأن الوقت من صعب أن يجمعوها ويكتبوها فتحتاج الى يومان أو ثلاثة أيام حتى تنشر له رابط خاص بها وان توفرت صوتيه حاولت أن وحتى الموقع طريق الاسلام فيه بعض الاصلاحات .
ويحتاج لنا كو يوم لنقوم بنشره ولكن هناك خطبة تدميرية وهي خطبة الشيخ طارق الطواري وسوف أعرضها لكم إذا توفرت وسوف تعاد في قناة المجد لمن أراد سماعها فبكى بهذه الخطبة وهي لأول مرة يبكي الشيخ وسوف تعاد بإذن الله يوم الجمعة القادم بعد صلاة الجمعة مباشرة على حسب توقيت السعودية .
ضيف خفيف
27-12-2002, 11:06 PM
وهذا خطبة الشيخ السابقة وهي عنوا ن كيف نغرس في ابنائنا الرجولة :
http://dr-tariq.com/audio/rjolah.rm
أخي ضيف :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أجزل الله لك العطاء .. لم أقصد أخي السرعة في نقل الخطبة أبداً .. بل متى ما توفرت ..
وفي كلمة سابقة لي معك في هذه الصفحة قلت لك إني كل يوم أنتظر الخطبة , أيضاً لم أقصد كل يوم خطبة ؛
ولكن بما أنك أعلنت انسحابك من الصفحة ... فأحببت أن تكون أنت من يفتتحها من جديد .. فكنت أراقب كل يوم متى تعود في قرارك فقط .؛ فما الهدف إرهاقك ...
وجزاك الله خيراً .
...
ضيف خفيف
29-12-2002, 07:11 PM
والله يا أختي القرار الذي كنت سوف أنسحب من الموضوع لانني حقيقة أختي فداء لا احب أنا أشارك في موضوع قد أنسحب من هو صاحبه وعندما قرأت ردك في الترحيب تراجعت عن هذا القرار لانني أحتاج منكم دعم على الاقل معنويا لكي أستمر فإذا لم الاقي دعم معنويا لا أحب أن أستمر في الموضوع .
وأرجوك أختي فداء أن تستمرين بدعمي على الاقل حتى أستمر على هذا النهج .
ضيف خفيف
29-12-2002, 07:37 PM
ملخص الخطبة
1- المجتمع المسلم المتميِّز. 2- التقدم الحضاري في هذا العصر. 3-التديُّن الحقيقي. 4- لا تعارض بين الحضارة والإسلام. 5- سبب ضعف المسلمين وتخلُّفهم. 6- خطورة التأثُّر بالتيارات الغربية. 7- خطورة تمييع مبدأ الولاء والبراء. 8- سبب غلبة الكفار في هذا العصر. 9- سنة الله في التغيير. 10- طريق النجاة.
الخطبة الأولى
أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يضر إلا نفسه، ولا يضرّ الله شيئاً.
أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يضر إلا نفسه، ولا يضرّ الله شيئاً.
أيها الناس، المجتمع المسلم المتميِّز هو ذالكم المجتمع الذي تتحقّق له ضروراتُه وحاجياته وتحسينيَّاته، تحت ظلِّ الشريعة الغراء التي لا ينغِّصها أزمةٌ ولا يعكِّرها ضيق، ذالكم المجتمع الذي يجد حرمتَه مصونةً مكرَّمة لا تُهدَر تحت ناب سَبُع عَادٍ، ولا تُستباح بمخالب باغٍ متوحِّش، أو سطوة معتدٍ صائل.
هكذا يعيش المجتمع المسلم إذا كان في صورته المثلى واستقراره المعهود، غيرَ أنه عند أدنى اختلالٍ لما مضى وإحلال الضدِّ محلَّه من الاستخفاء وراء أسوارٍ من الصلَف والغطرسة والمقت لوحي الله وحَمَلته، وجعل سبيل الله موحِشةً لطول ما ترادف على سالكيها من أدواء وأعباء لهُو الباب الحقيقي للمثول أمام حاضرٍ كريه ومستقبل مغلق، وحينئذ تزلّ القدم بعد ثبوتها، ويسبق الخصمُ إلى إذلالها وكبت حريتها.
إن الشعور العام بين الناس ليحكي بأن العالم اليوم قد قطع مراحلَ شاسعة في طريق التقدم الحضاري والصعود المادي، فسارعت هممُ الناس تترى كالبارع الذكي والنَّشِط المتوقِّد في اللهث وراء التقدم الصناعي والحضاري ونحوهما، ولكن هذا كلُّه كان على حساب إيجاد المرء الصالح التقي والبارِّ الوفي، فتقدَّمت الصناعة وتخلَّفت الروح، استطالت المادة واستكان الالتزام بالدين، حتى نشأ من هذا الضمور في الوعي تفاوتٌ مقلق، كان سبباً ـ ولا شك ـ في اختلال سير القافلة المسلمة واعتلالها، و[عدم] اتزانها وإبصارها الواعي بما تُقبل عليه وما تُحجم عنه، ثم تجتال القنوط آمال لفيف من العلماء والمفكرين بعد أن اعتلى جؤارهم من القحط الروحي الذي يسود أرجاءَ المسلمين بصورة لافتة.
إن التديّن الحقيقي هو الإيمان بالله والشعور بخلافته في الأرض قلباً وقالباً، والتطلّع إلى السيادة الشرعية التي اقتضتها هذه الخلافة، بيدَ أنَّ ذلك لا يتمّ إلا بتطويع كلِّ ما جعله الله وسيلةً مشروعة لتحقيق هذا المفهوم، وسْط دنيًا ينبغي أن يحكمها المجتمع المؤمن باسم الله وعلى بركة الله وفضله، من خلال الحكم بما أنزل الله شريعةً ومنهاجاً، وإحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتذليل السُّبل في الدعوة إلى الله عز وجل والجهاد في سبيله وابتغاء مرضاته. وبمثل هذا يُقضى على الجفوة بين مفهومي الحَضارة والإسلام، ويُرأب الصدع وتُسدُّ الثلمة لتصل سفينة المجتمع المسلم الماخرة إلى شاطئ العزِّ والتمكين.
كما أنه يجبُ أن يكون واضحاً جلياً تقريرُ أن الفضائل والعبادات التي شرعها الله لنا لا تعوق ازدهار الحياة وتقدمَها المادي وسْط المجتمعات المسلمة، لأن الإنسان عقلٌ وقلب، ومن يظنّ أنَّ صحوة القلب لا تتمّ إلا مع خمول الفكر وتهميش الدنيا من كلِّ جوانبها فهو مخطئ خطأ فاحشًا، كما أنَّ من يظنُّ بأنَّ سيادة العقل وبلوغ الأرب في التقدّم الماديّ لا يتمُّ إلا بتنحية الإيمان بالله وفصله عن واقع الحياة لهو مخطئ أيضاً خطيئةً كبيرة، ولذا فإن زكاة الروح قد تتمّ بدون جمال الجسد، وضمان الآخرة والتشمير لها قد يتمّ بدون ضياع الدنيا وخسرانها، ولقد صدق الله: وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:77].
أيها المسلمون، إنه لا يشكّ عاقلٌ البتة في أن تخلُّف المسلمين اليومَ عن الإمساك بزمام الأمور في الأرض كما كان أسلافهم وفي الاتصاف بالتبعية والاستجداء مع ما يصاحب ذلك من قلقٍ متنامي وتوجُّسٍ مكابد وشعورٍ بأنهم وسْط عنق زجاجةٍ يُصعدون فيها ولا يلوون على شيء، أنَّ ذلك كلَّه بسبب بُعدهم عن دينهم، وتنحية شرع الله عن الواقع، وخفر العهود والمواثيق، كما قال النبي لبعض المهاجرين محذِّراً: ((وما خفروا العهدَ إلا سلَّط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم يعمل أئمتُهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسَهم بينهم)) رواه البيهقي وابن ماجه[1].
ثم اعلموا ـ يا رعاكم الله ـ أن ثمَّة سببين اثنين ينخران في جسد الأمة بنَهَم لتلحق بركاب القَعَدة العاجزين، وأوَّل هذين السببين هو اللَّهَث وراء التيَّارات الغربيَّة القائمة على فلسفة التفوُّق المادِّي والفكر التحرُّري الذي لاقى رجعَ الصدى وسطَ الغوغاء من أبناء الأمة المسلمة، مترفِهم ومثقَّفِهم، بل وحتى من كان على فراش الإملاق منهم، إلى أن صاروا أُذناً وعيناً ولساناً وقلماً لنهجهم وفكرهم سياسةً وحضارة وثقافة وإعلاماً، فأصلحوا بإفساد، وداوَوا بالطاعون، وتقدَّموا بالتأخّر، فهُضمت حقوقُ المسلمين، واغتيلت مروآتُهم بتقليدٍ أعمى ولهثٍ بليد، فتحقَّق فيهم قولُ الرسول : ((لتتَّبعنَّ سننَ من كان قبلكم حذوَ القذَّة بالقذَّة حتى لو دخلوا جحرَ ضبٍّ لدخلتموه))، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن؟!)) رواه البخاري ومسلم[2].
وأيُّ تبعيةٍ أقبح من أن تشبَّه بدخول جُحر الضَّب المظلم مع ما فيه من ضيقٍ وقوارص، إلا وأنَّ ذلك دليل على التبعية مع عصْب العينين على وجه الانتحار غيلة: كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْولاً وَأَوْلَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ [التوبة:69]، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (ما أشبهَ الليلة بالبارحة! هؤلاء بنو إسرائيل شُبِّهنا بهم)[3]، ويقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (أنتم أشبهُ الأمم ببني إسرائيل سمتاً وهدياً، تتَّبعون عملَهم حذوَ القذَّة بالقذَّة، غيرَ أني لا أدري أتعبُدون العجل أم لا)[4].
ثم إنَّ ثاني السببين ـ عباد الله ـ هو ذلكم الجاثومُ الكابِت، الذي يعمل على تذويب الهوية الإسلامية للأمة المسلمة وتميّزِها، المتمثِّل في الاستعزاز بالإسلام وبما فرضه الله عليها من الولاء والبراء، والحب في الله والبغض فيه، وجعل المسلمين بعامة خاضعين لمصالحَ مشتركةٍ أيًّا كان نوعها، حتى ولو كانت خارجَ الإطار المشروع ما دامت تصبُّ في مصالحَ دوليةٍ وقوالبَ ماديَّة للأفراد والجماعات، فيجرُّها هذا الجاثومُ طوعاً أو كرهاً إلى فلَكها، عبرَ بنود يصعُب التراجُع عنها أو الإخلال بها، بناءً على ما تقتضيه مصلحةُ الفرد أو المجتمع من أعباء الحياة، التي يصبحون من خلالها في غير غنى عن الغرب ومادته وفلسفته وسيادته.
وفي كلا السببين ـ عباد الله ـ تتضاءل إن لم تتلاشى صلةُ المسلم بربِّه ودينه، وينحصر الأفراد والجماعات داخلَ بوتقةٍ من ضيق الأفق، فلا يرون فيها إلا مصالحَهم الخاصة، ويندفع جهدُهم كلّه وراء المنفعة العاجلة، بقطع النظر عمَّا يحكم ذلك من حلال أو حرام، والله جل وعلا يقول: لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22]، ولقد بايع جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه النبي على أن ينصحَ لكل مسلم ويبرأَ من الكافر. رواه أحمد[5].
ومن هذا المفهوم ـ عباد الله ـ يوقنُ كلّ منصف أنَّ أهلَ الكفر والإلحاد لم ينتصروا بقواهم الخاصَّة قدرَ ما انتصروا بفراغ قلوب المسلمين من خلال شهواتهم اليقظة، وإخلادِهم إلى الأرض، واتباع الهوى، والسّعار إلى اللذات والرغبات، وافتقار صفوفهم إلى ما يجمعها ولا يفرقها، وإلى ما تعتزّ به من الدين لا ما تستحيي منه أو تخجل بسببه، وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا للْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِاْلبَيّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلَائِفَ فِى الأرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس:14].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.
الهوامش :
[1] أخرجه ابن ماجه في الفتن، باب: العقوبات (4019)، والطبراني في الكبير (12/446) والأوسط (5/62)، والبيهقي في الشعب (3/197) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه الحاكم (4/540)، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في المجمع (5/318): "رجاله ثقات"، وصححه الألباني بمجموع طرقه في السلسلة الصحيحة (106).
[2] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3456)، ومسلم في العلم (2669) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بنحوه.
[3] أخرجه الطبري في تفسيره (10/176)، وعزاه أيضا في الدر المنثور (4/233) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
[4] أخرجه المروزي في السنة (63، 108)، وابن أبي شيبة في المصنف (7/479) بنحوه، وانظر: فيض القدير (5/295).
[5] أخرجه أحمد (4/357، 358، 360، 363)، وكذا النسائي في البيعة (4175)، والطبراني في الكبير (2/314)، وصححه الألباني في صحيح السنن (3892، 3893). وأصل الحديث في البخاري (57)، ومسلم (56)، وليس فيه: ((وتبرأ من الكافر)).
-------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله وليّ الصالحين، ذي الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد: يا أيها الناس، إن في كتاب الله وسنة رسوله ما يكشف أسبابَ الانكسار، ويبرز دواعيَ الانشطار الذي يصيب المسلمين بعامَّة بين الحين والآخر. ومثل هذا لا يعدُّ بدعاً في أمم الإسلام دون غيرها من الأمم، فقد بيّن الله في محكم التنزيل ما يدلّ على ناموسه وسنته في الناكصين والظلمة والمتسلِّلين عن دينهم لواذا في كلِّ زمان ومكان: كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:53]، وَمَا أَصَابَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى:30].
ومع هذا كلِّه فإنَّ الباري جلَّ شأنه برٌّ بعباده، رحيمٌ بهم، يمنّ عليهم بفضله ورحمته، ويسبغ عليهم سِتره ونعمتَه، ويصبِّحهم ويُمسِّيهم بالتوفيق والبركة في الحكم والرزق، غيرَ أنَّ كثيراً من المجتمعات قد تُحسن الأخذَ ولا تحسن الشكر، تمرح بالنعم ولا تقدر الله حقَّ قدره، ومثل هذا الاستغفال حين يبلغ مداه إضافةً إلى الإصرار عليه والإحساس بإمكانية الاستقلال دون تصحيحٍ أو محاسبة نفس، فعندئذ تدقّ قوارعُ الغضب أبوابَ الأمم، فتُظلم الوجوه بهزائم الدنيا وتجرّع الخوف فيها قبل حساب الآخرة ونكالها، والله جل وعلا لا يبدِّل أمنَ الأمم قلقاً ولا رخاءَها شدةً ولا صحَّتها سقماً ولا عزّها ذُلاً من باب الظلم لهم أو التشفِّي بهم، كلا، فإن الله واحدٌ لا يتغيَّر، ولكن الناسَ هم الذين يتغيَّرون، كما أن الله عادل لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسَهم يظلمون، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ [الرعد:11].
إن رياح التعيير ـ عابد الله ـ لا تهبُّ عليلةً دون كدرٍ أو قتر، كما أنها لا يمكن أن تهبَّ إلا من داخل صفِّ المسلمين أنفسهم، ومستقبل المسلمين لا يمكن أن يصنعَه من لا يخاف الله ولا يؤمن بشِرعته، بل لا بد أن يصنعَه المسلمون أنفسُهم انطلاقاً من شِرعتهم الغرّاء، وخارجاً عن إطار القوميَّات والإقليميات والعبِّيَّات الجاهلية، وأن المسلمين متى ما أرَوا اللهَ من أنفسهم صدقاً في التصحيح وعَلِم الله فيهم خيراً في حسن المقصد وصدق اللجوء إليه مهما كان الواقع الأليم الذي يعيشونه ويعانون فيه الأمرَّين، فإن ذلك ليس بمانِعهم أن يقلبَ الله كربَهم فرجًا، وترحَهم فرحًا، يقول الله جل وعلا عن أسرى بدر من المشركين: يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ الأسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنفال:70].
فالعودةُ إلى الله سببٌ في الفلاح وسرّ في النجاح، غيرَ أن العودةَ لا يمكن أن تكون بمجرَّد شقشقَةِ لسانٍ أو حركة ببنان أو بوعودٍ كاذبة في التصحيح والاستقامة فورَ انكشافِ الكربة وانقشاع الغياية، كلا، فتلك وعودٌ كاذبة، لو انطلت على بعض البشر فإنها لا تخفى على ربِّ البشر، ولذلك أعقب الله حديثَه عن الأسرى بقوله: وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الأنفال:71].
فالحاصل ـ عباد الله ـ أنَّ استقامةَ المجتمع وفلاحَه ونجاحه في سياسته العامة وبلوغَه المكانة العالية إنما تجيء من الحرص على التكامل وتهذيب النفوس من الوحشة والنفرة، بعد تحقيق الصلة بالله. ولدى المسلمين في وقتهم الحاضر كنوزٌ مشحونة بمثل هذه المعاني الغضَّة تسع أهلَ الأرض جميعاً لو قُسمت بينهم، ولكنهم عن ذلك ذاهلون، وفي نيل الغاية الأسمى مفرِّطون، إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىء وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْءانَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مِنَ الْمُنذِرِينَ وَقُلِ الْحَمْدُ للَّهِ سَيُرِيكُمْ ءايَتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [النمل:91-93].
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين...
وهذا الرابط الصوتي لها :
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=18476&scholar_id=216
وسامحونا على القصور .
ضيف خفيف
29-12-2002, 07:40 PM
وهذا الرباط للتحميل
لخطبة الشيخ طارق الطواري :
http://dr-tariq.com/audio/ommah.rm
وهي بعنوان عظمة هذه الامة .
الله يجزاك الجنة ..
وما قصرت ..
وهذه الخطبة رائعة رائعة ولكن ... !!! هل من واعٍ !!
عسى الله أن ينفع بك . ولايحرمك الأجر .
ضيف خفيف
01-01-2003, 05:19 AM
وكانت بعنوان :
((( لا قيام للدين إلا بتحكيم الشريعة والجهاد )))
وهي خطبة راااائعة جداااا وهي منقوولة من صفحة الشيخ وبلغ عدد القراء لهذا الموضوع فوق 3700 قارئ.
الحمد لله ، والله أكبر الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا .
الله أكبر ولله الحمد ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، الكبير المتعال ، ولا ينفع ذا الجد منه الجـــد، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله المبعوث بالكتاب المجيد ، والجهاد بالحديد ، ليبلغ الإسلام ذرى المجد .
وبعد :
فإن الله تعالى وجل ذكره ، قد ذكر في القرآن في مواضع كثيرة ، ارتباط الحكم بما أنزل من الكتاب ، بالجهاد في سبيله ، وأنه ينصر من يحكم بالكتاب المنزل ويتولاه ، بل ذكر أنه ما بعث الأنبياء جميعا إلا ليحكم بالكتاب المنزل ، وأنهم لابد أن يُبتلوا بذلك ، ثم ينصرهم الله تعالى ، قال تعالى ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) .
وقال (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأرسلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ) .
وقال عن ابتلاء الأنبياء اللذين أنزل عليهم الكتاب والميزان ليحكم بين الناس وليقوموا به بالعدل بين الخلق ، وابتلاء أتباعهم ، قال ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل اللذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) .
ولما كان إنزال الكتاب على نبيه وابتلاءه بالجهاد في سبيل الحكم به يحتاج إلى ولاية خاصة وإعانة خاصة قال ( إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ) وقال ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء اللذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين ) .
وقال آمرا نبيه أن يجاهد الكافرين بالكتاب المنزل ( ولا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ) .
والآيات في هذا كثيرة جدا ، وذلك لأن الدين لاقوام له إلا بهذين الأمرين :
الكتاب المتضمن للشريعة .
والجهاد الذي يحميها ويقطع عنها كيد أعداءها من شيطانين الإنس والجن الذين هم أعداء لشريعة كل نبي ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ) .
وإنما يدحر العدو الجهاد ، جهاد اللسان والبيان ، وجهاد السيف والسنان .
حتى جهاد الطلب ، إنما هو دحر للشياطين وأولياءهم من الطواغيت ، دحرهم عن بلوغ غايتهم في استعباد العباد لهم من دون الله ، وهي الفتنة التي جعل الله غاية الجهاد قطعها عن العباد ، قال تعالـــى ( وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعلمون بصير ) .
ولهذا السبب ـ أعني أن الدين لاقوام له إلا بالكتاب والجهاد ـ حرص أعداء الأمة على إسقاط هذين الركنين بكل سبيل ، ودأبوا على تشويه صورتهما ، واستطاعوا ـ إلى حين ـ أن ينقضوا هاتين العروتيـــــن العظيمتين ـ إلا قليلا ـ فعُطِّل الكتاب المنزّل عن الحكم بين الناس ، وعُطِّلت سيوفُ الجهاد عن الدفاع عن البيضة ، إلا طائفة قائمة بأمر الله ، يقاتلون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم ، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله .
ومنذ انتقاض هاتين العروتين ، صار حال أهل الإسلام إلى نراه من الضعف والمهانة .
وقد بلغ من مكر الأعداء أن جندوا ممن ينتسب إلى الدعوة الإسلامية ، من ألقى الشيطان على ألسنتهم من القول الباطل الخطل ، ما تقشعر له قلوب المؤمنين استبشاعا ، حتى قال بعضهم متزلفا للطواغيت الحاكمة بغير ما أنزل الله : إن الحكم بما أنزل الله ليس من أولويات الدين المبجل ، ولا من أصول الكتاب المنزل .
سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم ، وكيف لا يكون الحكم بما أنزل الله الذي اخبر الله تعالى أنه ما أرسل الرسل ولا انزل عليهم الكتب إلا لتحقيقه ، وبيّن الله عز وجل ، أن التحاكم إلى غير الله ، إنما هو الشرك وعبادة الطاغوت ، كيف لا يكون من أصل الدين ، وأساسه المتين .
وأما الجهاد فإنه ذروة سنام الإسلام ، وعز المسلمين ، وغيظ أعدائهم ، ورهبة قلوبهم وقلوب المنافقين ، وهو أفضل ما تطوع به المتطوعون ، وأعلى ما تقرب به إلى العاملون ، وأزكى ما تنافس فيه المتنافسون ، حتى لقد عد العلماء الرباط بالثغور أفضل من المجاورة بمكة والمدينة ، والعمل بالرمح والقوس في الثغور ، أفضل من صلاة التطوع .
وهذا لايعني أن يكون الجهاد خبط عشواء ، بلا خطط حكيمة ، وخطوات محكمة ، وأهداف معلومة ، وغايات مرسومة ، فيصبح عمل المجاهدين ضرره أكبر من نفعه ، بل المجاهدون أحوج الناس إلى حسن التخطيط ودقة التنظيم ، وحسن النظر في العواقب ، ومراعاة المصالح والمفاسد ، فالدين كله قام على تحصل المصالح ودفع المفاسد .
ولم يكن أعداء الأمة على شيء أحرص منهـــم ـ بعد إقصاء الحكم بالشريعة ـ على إلغــاء الجهــاد ، وتنفير قلوب المسلمين منه ، ذلك لأن قلوبهم تمتلئ رعبا من هذه الكلمة ، ويعرفون ما يقوم عليها من عز الإسلام .
هذا وقد دس أعداء الإسلام في صفوفه ، ومن بين المنتسبين إليه ، من يحاول أن يجعل الجهاد في سبيل الله ، إثمـــا مبينا ، ومن يقذف في قلوب المجاهدين الوهن ، ويعوقهم عنه ، ويطعن في ظهورهم بألسنة حداد ، ويحث على خذلانهم ، ويحرّض عليهم ، وهو يقترف هذا كله ، باسم الدين ، زاعماً الدفاع عن سنة سيد المرسلين ، بينما هو يسعى في خراب الدين وتقويض أركانه ، ذلك أن ترك الجهاد أقرب الطرق إلى ذلك ، فأي ذنب بعد الشرك أعظم من هذا الذنب العظيم .
غير أن ذلك كله لن يفت في عضد أهل الجهــاد ، ولهذا وصفهم الله تعالى بقوله ( لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ) ، وفي هذا النص دليل أن المجاهدين ، ستقف منهم طائفتان موقفين : فثمة من يعلم انهم على حق ، ولكنه يخذلهم جزعا من تحمل عزيمة أمرهم الرشيد ، وثمة من يخالفهم فيما هو فيه من القيام بما أمر الله من جهاد العدو بالحديد ، ولكن لاهؤلاء ، ولا هؤلاء ، سيبلغون ضرهم ، بل هم ماضون في سبيل الله لاخوف عليهم و لاهم يحزنون .
وبعد ،،، عباد الله
إن أصدق الحديث كتاب الله ، وأوثق العرى كلمة التقى ، وخير الملة ملة إبراهيم ، وأحسن السنن سنة محمد صلى الله عليه وسلم ، وخير الهدي هدي الأنبياء ، وأشرف الحديث ذكر الله ، وخير القصص القرآن ، وخير الأمور عواقبها ، وشر الأمور محدثاتها ، وماقل وكفى ، خير مما كثر وألهى ، وشر الضلالة الضلالة بعد الهدى ، وخير الغني غنى النفس ، وخير الزاد التقوى ، وخير ما ألقي في القلب اليقين ، والريب من الكفر ، وشر العمى عمى القلب ، والخمر جماع الإثم ، أعظم الخطايا الكذب ن وأقبح الفواحش الزنا ، وغض البصر يورث نور البصيرة ، ومن يعف يعفه الله ، ومن يتصبر يصبره الله ، ومن يكظم الغيظ يأجره الله ، ومن يغفر يغفر الله له ، ومن يصبر على الرزية يعقبه الله ، وشر المكاسب كسب الربا ، وشر المآكل مال اليتيم ، وملاك العمل خواتمه ، وأشرف الموت قتل الشهداء ، ومن يستكبر يضعه الله ، ومن يعص الله يطع الشيطان ، ومن تطاول تعاظما حطّه الله ، ومن تواضع تخشعا رفعه الله .
واعلموا أن جماع ما أمر الله به عباده في قوله ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) .
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم ( اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن ) .
اللهم أغفر للمسلمين والمسلمين ، والمؤمنين والمؤمنات ، وألف بين قلوبهم واجمع كلمتهم ، وانصرهم على عدوكم وعدوهم ، اللهم قاتل كفرة أهل الكتاب من اليهود ، والصليبيين ، الذين يصدون عن سبيلك ، ويقاتلون أولياءك ويكذبون برسلك ، اللهم عليك بهم ، اللهم شتّت شملهم ، ومزّق جمعهم ، ورد كيدهم في نحورهم ، وأنزل عليهم بأسك الذين لا يرد عن القوم الكافرين .
اللهم إنا نستهديك ونستغفرك ، ونثنى عليك الخير ولا نكفرك ، ونخلع ونترك من يكفرك ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، اللهم ارفع راية الجهاد ، وانصر المجاهدين ، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ،اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
ضيف خفيف
06-01-2003, 12:32 PM
وكان الخطيب لهذه الجمعة الشيخ //// عكرمة مصطفى صبري ...... حفظه الله .
ملخص الخطبة
1- القبر أول منازل الآخرة. 2- المنغمسون في الدنيا ممن طاش إيمانهم بالآخرة. 3- إحسان الظن بالله عند الموت. 4- الحديث عن اقتراب الساعة. 5- الموت مكتوب على كل أحد. 6- موت النبي صلى الله عليه وسلم. 7- الحرب على العراق ومزاعم السلام. 8- بعض جرائم اليهود في فلسطين.
الخطبة الأولى
أما بعد: فيقول الله عز وجل في سورة النساء: أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ [النساء:78]، ويقول سبحانه وتعالى في سورة الجمعة: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجمعة:8]، صدق الله العظيم.
أيها المسلمون، روى هانئ، مولى عثمان بن عفان أنه قال: "كان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتذكر القبر فتبكي، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشد، قال ـ أي عثمان ـ: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما رأيت منظراً قط، إلا والقبر أفظع منه))[1].
أيها المسلمون، إن الإيمان باليوم الآخر هو ركن من أركان الإيمان الستة، هذه الأركان هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر، ومن المؤسف، بل من المؤلم أن بعض المسلمين يتجاهلون الإيمان باليوم الآخر أو يستخفون به، إنهم يتهربون من الحقيقة الساطعة التي تقول: إن من له بداية، لا بد أن تكون له نهاية.
إن المتجاهلين أو المستخفين يريدون أن ينغمسوا في ملذات الدنيا الزائلة، وأن يعيشوا كما تعيش الأنعام، بل هم أضل، ألم يسمعوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((أكثروا ذكر هادم اللذات، الموت))[2].
نعم، أيها المسلمون، إن اليوم الآخر بالنسبة للإنسان يبدأ حين فراق الروح لجسده، أي بالموت، وإن أول مراحل الموت أن يأتي الملكان الموكلان بالموت للمتوفى، فإن كان المسلم صالحاً أثنيا عليه، وقالا له: جزاك الله خيراً، وإن كان غير صالح قالا له: لا جزاك الله خيراً.
وإن المؤمن الصادق لا يجزع من الموت، بل يكون راغباً في لقاء الله عز وجل، ويكون مستعداً للامتحان وللسؤال في القبر ويوم القيامة ويوم الحساب.
أيها المسلم، يا عبد الله، ينبغي حين تحضرك الوفاة أن تكون محسناً الظن بالله سبحانه وتعالى، وأن ينطق لسانك بالشهادتين بشكل مستمر، إلى أن تسلم الروح وأن تتصف بالسكينة والوقار والهدوء لاستقبال الموت، لأن الاستبشار به من علامات لطف الله بك، لقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله))، أما الذي يرفض فكرة الموت أو أنه يخاف من أن يموت، فإنه يكون والعياذ بالله يائساً من رحمة الله، من أمثال المتعاطين للمخدرات أو السارقين أو المفسدين، أو أن يكون ـ والعياذ بالله ـ عميلاً أو جاسوساً أو سمساراً، فكيف سيكون عذابهم في القبر، وفي اليوم الآخر، فكن أخي المسلم ـ يا عبد الله ـ مستعداً للقاء الله، وذلك بالاستقامة وإيصال الحقوق إلى أصحابها.
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، بحلول عام ميلادي جديد تكثر الإشاعات والتقولات، منها: إن اليوم الآخر قد اقترب بحلول عام الألفين، ومن مزاعمهم بأن يوم القيامة مرتبط بهدم المسجد الأقصى المبارك وبناء الهيكل على أنقاضه، وأن ظهور السيد المسيح عليه السلام قد اقترب موعده كما يتخيلون، وهكذا من أقوال الكنائس الغربية المتصهينة في أمريكا، هذه الأقوال لا أصل لها من الصحة، فإن نزول السيد المسيح عليه السلام من السماء يعد من العلامات الكبرى، ولا يوجد أي دليل على اقتراب العلامات الكبرى لليوم الآخر، أما العلامات الصغرى فقد ظهر معظمها، وهي موجودة في المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية، منها انتشار الربا، قطع الأرحام، عقوق الوالدين، التطاول في البنيان، الضجيج في المساجد من الغوغائيين.
ولكن ظهور العلامات الصغرى لا يعني بالضرورة اقتراب موعد يوم القيامة، فموعد اليوم الآخر منوط ومرتبط بالله سبحانه وتعالى وحده، ونقول: بدلاً من أن تشغلوا أوقاتكم بالخوض في ما يتعلق بعلم الله عز وجل، ينبغي عليكم أن تفكروا، كيف ستلاقون الله؟ وكيف تستعدون للموت؟ وعلى أي ديانة ستموتون؟
أيها المسلمون، إن الموت سنة الله في خلقه، والموت كأس، وكل الناس شاربه، فلا تغفلوا عنه، وهو حق على المخلوقات جميعها، لقد شمل الأنبياء والمرسلين، حتى إنه شمل سيد الخلائق محمداً عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فقد روى الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اجتمعنا في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدمعت عيناه، فنعى إلينا نفسه، وقال: مرحباً، حياكم الله بالسلام، حفظكم الله، رعاكم الله، جمعكم الله، نصركم الله، وفقكم الله، نفعكم الله، رفعكم الله، سلمكم الله، وأوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم، وأستخلفه عليكم، قلنا: يا رسول الله متى أجلك؟ قال: ((قد دنى الأجل، والمنقلب إلى الله، وإلى سدرة المنتهى، وجنة المأوى والفردوس الأعلى))[3].
وحينما قرب الأجل جاء جبريل عليه السلام فقال: يا أحمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، فقال: ((ائذن له، فدخل ملك الموت ووقف بين يديه وقال: إن الله أرسلني إليك، وأمرني أن أطيعك، فإن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها تركتها، فقال عليه الصلاة والسلام: وتفعل يا ملك الموت؟ قال: كذلك أمرت أن أطيعك، فقال جبريل: يا أحمد، إن الله اشتاق إليك، فقال: فامض إلى ما أُمرت به يا ملك الموت، فقال جبريل: السلام عليك يا رسول الله، هذا آخر موطني في الأرض، إنما كنت حاجتي من الدنيا))[4].
أيها المسلمون، اليقظة اليقظة في قلوبكم، كي لا تقعوا في المنكرات والموبقات، وهل صحيح أن الذي يؤمن بعذاب القبر يتجرأ على الله، فيسب الدين والرب، وهل الذي يؤمن بلقاء ربه يرتكب الزنا ويتعامل بالربا ويأكل أيام اليتامى ظلماً؟ هل الذي يؤمن بالبعث والنشور يفرط في أرضه وبيته ويسمسر للأعداء ويخون دينه ووطنه؟
إن الموت ـ أيها المسلمون ـ حق، وإن لقاء الله أمر قطعي، لا مجال للشك فيه، جاء في الحديث الشريف: ((لا يلج النار من بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضرع))[5] صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] رواه الترمذي (2308)، وابن ماجه (4267)، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (3442)
[2] رواه الترمذي من حديث أبي هريرة (2307)، والنسائي (11824)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (3333).
[3] رواه الطبراني في معجمه الأوسط 4/208،قال الهيثمي: في إسناده ضعفاء منهم اشعث بن طابق قال الأزدي لا يصح حديثه. مجمع الزوائد 9/25.
[4]رواه الطبراني في معجمه الكبير 3/129 قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه عبدالله بن ميمون القداح وهو ذاهب الحديث. مجمع الزوائد 9/35.
[5] ، رواه من حديث أبي هريرة الترمذي في سننه (1633)، والنسائي (3108)وصححه الألباني، في صحيح الترمذي (1333).
-----------------------------
الخطبة الثانية
نحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، صلاة وسلاماً دائمين إلى يوم الدين.
اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أيها المسلمون، بحلول العام الميلادي الجديد ينادي أدعياء السلام بيوم السلام العالمي، وأي سلام يريدون وأصوات طبول الحرب ترتفع وتيرتها يوماً بعد يوم! وهل يريدون السلام العادل الذي تنعم فيه شعوب العالم بالأمن والآمان والطمأنينة والسلام أم السلام الذي يدعو إلى الهيمنة الأمريكية على العالم؟ وهل الحرب العدوانية على العراق هو السلام؟!
فأقول للذين يتشدقون بالسلام: عليكم إن كنتم صادقين في ادعائكم، عليكم أن تقفوا في وجه المخططات العدوانية من قبل الدول الكبرى الاستعمارية ضد الشعوب المغلوبة الضعيفة، عليكم أن تطبقوا الشعارات على أرض الواقع، وإلا فهي شعارات خادعة مزيفة.
وأقول لجميع الحكام في العالم العربي والإسلامي: إنه يتوجب عليكم أن تقفوا صفاً واحداً لصد أمريكا عن عدوانها على العراق، إن شرع الله يناديكم، إن أمة الإسلام تناديكم أن وحدوا مواقفكم، واحموا العراق من الاعتداء الصليبي الغاشم، وإلا سينطبق عليكم المثل القائل: أُكلت يوم أكل الثور الأبيض، هذا في الدنيا، أما في الآخرة، فإن الله سيحاسبكم حساباً شديداً.
ولا بد من التأكيد على رأي الإسلام بشأن العدوان الأمريكي المرتقب، فإنه لا يجوز شرعاً للمسلم أن يساعد غير المسلم ضد أخيه المسلم، فالمسلم أخو المسلم، اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
أيها المسلمون، أما على المستوى المحلي، فأين السلام الذي تريده سلطات الاحتلال؟ هل السلام الذي يدعو إلى تكسير الأيدي والأرجل والأنوف للمواطنين الفلسطينيين من قبل الجنود ـ كما ذكرت ذلك الصحف المحلية والصحف العبرية ـ.
وماذا يجري الآن في مدينة خليل الرحمن؟ لقد استشهد أحد المواطنين قبل أيام في مدينة الخليل، وفاضت روحه الطاهرة من جراء الضرب المبرح من قبل الجنود، وهكذا يتعرض شعبنا الصابر المرابط إلى حرب إبادة وتنكيل، بالإضافة إلى إتلاف آلاف الدونومات من الأراضي الزراعية، لإقامة ما يسمى بالجدار الواقي، وهل هذا الجدار سيحقق الأمن والأمان؟ إن الأمن لا يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال لأرضنا المباركة المقدسة المطهرة، وليس ذلك على الله ببعيد.
أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، لقد نشرت الصحف مؤخراً بأن إحدى الحركات اليمينية اليهودية المتطرفة قدمت طلباً إلى بلدية القدس، تطالب فيه إنزال العقوبات وفرض الغرامات على الذين يرفعون الأذان من على مآذن المساجد، بحجة الضجيج والإزعاج، إلى هنا ملخص الخبر، الذي نشر في الصحف العربية والعبرية وأقول: لماذا لم يحتجوا على أصوات الطائرات والصواريخ والمدافع التي تقصف البيوت الآمنة وتقتل الأطفال والشيوخ كما يحصل الآن في رفح وفي غزة؟ لماذا لم يحتجوا على أصوات الموسيقى الصاخبة في المحلات العامة وفي البارات وفي السيارات المتنقلة، في حين يحتجون على نداء الله أكبر؟ وأقول: إن الأذان في الإسلام هو شعيرة من شعائر ديننا العظيم لمناداة الصلاة، وإنه مرتبط بمواقيت محددة ومعلومة، ولا مجال للتخلي عن هذه الشعيرة، وإن الأذان سيستمر رفعه ـ بإذن الله ـ من على مآذن المسجد الأقصى المبارك، ومن على مآذن المساجد الأخرى المنتشرة في أنحاء فلسطين المباركة المقدسة والمطهرة، ليبقى اسم الله عالياً، وليبقى شعار الله أكبر مرتفعاً، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وهذا الخطبة بتاريخ 30/10/1423.
البحر العميق
06-01-2003, 05:51 PM
تكفى والله اخ ضيف خفيف ، ويعطيك العافية على هالمجهود ،
وان شاء الله ان يحتسب لك في ميزان حسناتك ،
اختك البحر العميق
ضيف خفيف
06-01-2003, 10:41 PM
جزاك الله خير على مرورك الكريم أختنا البحر العميق ونشكرك على القراءة والا ستماع .
واسئل الله أن ينفع به المؤمنين .
ضيف خفيف
13-01-2003, 06:19 AM
وكان خطيب لهذه الجمعة الشيخ / أسامة بن عبدالله الخياط وكانت خطبته / أختلال الموازين .
ملخص الخطبة
1- العلل بريد الخلل. 2- صورٌ للخلل من الواقع. 3- سبب الانحراف ومصدر العوج. 4- المخرَج وسبيل النجاة. 5- ضرورة العناية بالأصول.
الخطبة الاولى
أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، واذكروا على الدوام وقوفَكم بين يديه في يوم تشخَص فيه الأبصار.
أيها المسلمون، حينَ تستَحكم الآفاتُ وتستشري العِلل وتكثر الأدواء تضطربُ عند ذاك الألباب وتلتاث العقول وتحارُ الأفهام، فتنأى بالمرء عن سلوك الجادَّة وتحيدُ به عن الصراط، وتُحدثُ في نظام الحياة فساداً عريضاً، حيث يشيع الخللُ ويفشو العوج وتختلُّ الموازين وتنعكس الأمور، فيقدَّم المؤخَّر ويؤخَّر المقدم، وتصغَّر العظائم وتعظَّم الصغائر، وتحفَظ الفروع وتضيَّع الأصول. وإنَّ في دنيا الواقع ـ يا عباد الله ـ من صور هذا الداء القديم ما لا يكاد يُحصى من الصوَر، فترى في الناس من يجتهد في ألوان القربات ليلَه ونهارَه ليزدلفَ بها إلى مولاه ويحظى عندَه بالدرجاتِ العلى والنعيم المقيم، لكنّه يقرن ذلك بما يُفسد عليه جدَّه ونصبَه، ويُحبط عملَه واجتهادَه، حين يشرك بالله غيرَه بدعاء أو باستعانة أو باستغاثة أو بذبح أو بنذرٍ أو بصرفِ أيّ نوعٍ من أنواع العبادة التي هي حقٌّ خالص لله، لا يجوز صرفُ شيء منه لغيره سبحانه، وحين يأتي كاهناً أو عرّافاً فيسأله ويصدِّقه، وحينَ يعلِّق تميمةً أو ودعة يستدفع بها بزعمه الضرَّ عن نفسه أو أهله وولده، مع أن الله تعالى قد بيَّن لعباده في كتابه بواضح البيان أنَّ عاقبةَ هذا الإشراك هو حبوطُ العمل وفساده، وعدمُ انتفاع عامله به في الآخرة، وتحريمُ الجنة عليه، وجعلُ مأواه النار، فقال سبحانه: وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65]، وقال عز اسمه: ذٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، وقال عز وجل: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِى إِسْرائيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّاٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72]، وفي صحيح السنة أيضاً من البيان النبوي الرفيع لمآل هذا الأمر ما لا مزيدَ عليه، فقد أخرجَ الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: ((من أتى عرافاً أو كاهناً وصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ))[1]، وأخرج الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه أيضاً بإسناد صحيح عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله قال: ((من علَّق تميمةً فقد أشرك))[2].
ومن ذلك أن ترى بعضَ من يُعنى بإقامة حروف القرآن وتجويدِها وتحسين الصوت بالتلاوة يضيّع حدودَه، ويُهمل العملَ بما أنزل الله فيه، ويُغمضُ الأجفانَ عن تدبّر معانيه والتأثّر بعظاته والاعتبار بقصصه وأمثاله.
ومن الناس من يحترز من رشاش النجاسات أن يصيبَ ثيابَه شيءٌ منها لكنّه لا يتوقّى من غيبة أو نميمةٍ أو قولِ زور، ومن يُكثر من الصدقات لكنَّه لا يبالي بمعاملات الربا ولا يتورّع عن مالٍ حرام، ومن يتهجّد بالليل والناسُ نيام لكنَّه يؤخِّر الصلاةَ المكتوبة عن وقتها، ومن يصوم بالنهار لكنَّه يؤذي الجيرانَ ويتعدّى على حقوقهم ويستطيل في أعراضهم، حتى تكون جيرتُه عليهم همًّا ثقيلاً وشرًّا مستطيرا وبلاءً عظيماً، ومن يبَرّ معارفَه وعُشراءَه بإقامة أوثق العلائق معهم لكنَّه يعُقّ والديه وإخوانه، ويقطع رحمَه، ويتبرَّأ من قرابته وأهل بيته، ومن يجود على الفقير البعيد لكنَّه يدَع أهلَ بيته عالةً يتكفّفون الناس، أو يضيّق عليهم في النفقة الواجبة فلا يعطيهم ما يكفيهم بالمعروف، ومن يصون لباسَه ومركوبه وفراشه عن الأدناس والأقذار لكنَّه لا يحفظ سمعَه وبصرَه عن التلوّث بأرجاس الحرام، ومن يطيع في صغار الأمور دون كبارها، وفي ما تخفّ عليه مؤونتُه دون ما عليه فيه مشقة، قال العلامة الحافظ ابن الجوزي رحمه الله وهو من علماء القرن السادس، قال: "وفي الناس من هذه الفنون ـ أي: المتعلقة بحفظ الفروع وتضييع الأصول ـ مما رأيناه عجائبُ يطول ذكرها".
عبادَ الله، إنه لا ريب أنَّ مبعثَ هذا الانحرافِ ومصدرَ هذا العوجِ إنما هو الخضوع لسلطان العادات، والإذعانُ لهيمنة الأعراف، بعيداً عن أنوار الوحيين، قصِيًّا عن ضوابط التنزيلين، وكذا اتباع الهوى بغير هدًى من الله، وفشوُّ الجهل بدين الله، وقلة الناصح وندرة المعين.
ألا وإن المخرج من كلِّ أولئك ـ أيها الإخوة ـ لا يكون إلا بدواء العلم والعمل. أما العلم فلأنه يقف صاحبه على القواعدِ والأصول والأسسِ التي تُبتنى عليها الفروع، وتقوم عليها الجزئيات، ويُنشئ له فكراً منظَّماً منضبطاً، يضع الأشياءَ في مواضعها، ويعرف للأعمال مراتبَها ومنازلَها. وأما العملُ فلأنَّه يقع صحيحاً مُوافقا لما شرعه الله، ماضياً على نهج رسول الله ، سعيداً بالقبول، مبلِّغاً كلَّ مأمول، كما أن مخالفةَ الهوى والاجتهاد في ضبط الأعراف والعادات بضوابط الشرع، كلُّ أولئك مما يُرجَى أن يُستصلح به هذا الانحراف، ويقامَ به هذا العوج، ويثوب به المسلمُ إلى طريق دينه القويم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:50].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم..
--------------------------
--------------------------------------------------------------------------------
[1] أخرجه أحمد (9290، 9536)، وأبو داود في الطب (3904)، والترمذي في الطهارة (135)، والنسائي في الكبرى (9017)، وابن ماجه في الطهارة (339)، والدارمي (1136)، وابن الجارود (107)، والحاكم (1/8)، وقال الترمذي: "وضعف محمد ـ يعني: البخاري ـ هذا الحديث من قبل إسناده"، ونقل المناوي في الفيض (6/24) تضعيف البغوي وابن سيد الناس والذهبي لهذا الحديث، ووافقهم على ذلك، وله شاهد من حديث جابر أخرجه البزار (9045- كشف الأستار)، وجوّده المنذري في الترغيب (3/619)، وقال الهيثمي في المجمع (5/117): "رجاله رجال الصحيح خلا عقبة بن سنان وهو ضعيف"، وصححه الألباني في غاية المرام (285).
[2] أخرجه أحمد (4/156)، وصححه الحاكم (4/219)، وقال المنذري في الترغيب (4/203): "ورواة أحمد ثقات"، ومثله قال الهيثمي في المجمع (5/103)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (492).
------------------------------------------------------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله الحَكَم العَدل اللطيف الخبير، أحمده سبحانه له الدنيا والآخرة وإليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيا عباد الله، إن عِظمَ الخسارة التي يُمنَى بها من يحفَظ فروعاً ويضيّع أصولاً ـ لا سيما إذا كانت هذه الأصول توحيداً وإيماناً ـ خليقٌ بأن يحمِل أولي الألباب على كمال العناية بهذا الأمر وشدّة الحذر من التردّي في وَهدته وتمام الحرص على التجافي عن كل سبيل يُفضي إليه وكلِّ حاملٍ يحمل عليه، وأيُّ خسارة ـ يا عباد الله ـ أعظم من أن يحبط عمل العامل أو يُنتقصَ من أجره أو يضاعف في وزره.
ألا فاتقوا الله عباد الله، وحذار من تضييع الأصول، واعرفوا لكلِّ شيء قدره، وأنزلوه منزلته تستقمْ أموركم، وتطبْ حياتكم، وتحظَوا برضوان ربكم.
وصلوا وسلموا على خاتم النبيين وإمام المتقين ورحمة الله للعالمين، فقد أمِرتم بذلك في الكتاب المبين حيث قال الرب الكريم قولاً كريماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الآل والصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين...
منقول من موقع المنبر جزاهم الله خير ااا .
الرابط الصوتي لهذه الخطبة :
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=18911&scholar_id=216
ضيف خفيف
20-01-2003, 02:59 PM
وكانت بعنوان إنا عرضنا الامانة للشيخ / عبدالرحمن الحذيفي ..... حفظه الله
ملخص الخطبة
1- إشفاق السموات والأرض والجبال من حمل الأمانة. 2- بيان الأمانة. 3- أهمية الأمانة والتحذير من تضييعها. 4- عظم ثواب المحافظ على الأمانة. 5- مفاسد تضييع الأمانة. 6- أمانة الوظيفة والعمل. 7- أمانة الودائع.
الخطبة الأولى
أما بعد: فيقول الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً لّيُعَذّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنافِقـتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً [الأحزاب:72، 73].
إن حِملاً ثقيلاً وواجبًا كبيرا وأمرًا خطيرا عُرِض على الكون سمائه وأرضه وجباله، فوجلت من حمله، وأبت من القيام به، خوفاً من عذاب الله تعالى، وعُرضت هذه الأمانة على آدم عليه السلام، فحمَلها واستقلّ بها، إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً أي: الإنسان المفرّط المضيّع للأمانة هو الظلومُ الجهول، لا آدم عليه السلام، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (الأمانة الفرائضُ، عرضها الله على السمواتِ والأرض والجبال، إن أدَّوْها أثابهم، وإن ضيّعوها عذبهم، فكرِهوا ذلك وأشفقوا منه من غير معصية لله، ولكن تعظيماً لدين الله تعالى)[1]، وقال الحسن البصري رحمه الله: "عرضها على السَّبع الطباق الطرائق التي زُيِّنت بالنجوم وحملةِ العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنتِ جُزيتِ، وإن أسأتِ عُوقبتِ، قالت: لا، ثم عرَضها على الأرضين السبع الشداد التي شُدّت بالأوتاد وذُلِّلت بالمِهاد، قال: فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنتِ جُزيتِ، وإن أسأتِ عوقبتِ، قالت: لا، ثمَّ عرضها على الجبال فأبت"[2].
الأمانة ـ يا عباد الله ـ هي التكاليفُ الشرعية، هي حقوقُ الله وحقوق العباد، فمن أدَّاها فله الثواب، ومن ضيَّعها فعليه العقاب، فقد روى أحمد والبيهقي وابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (الصلاةُ أمانة، والوضوءُ أمانة، والوزن أمانةٌ، والكيل أمانة) وأشياء عدّدها، (وأشدُّ ذلك الودائع)[3]، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: (والغسل من الجنابة أمانة)[4].
فمن اتَّصفَ بكمَال الأمانة فقد استكمَل الدينَ، ومن فقد صفةَ الأمانة فقد نبذ الدينَ، كما روى الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له))[5]، وروى الإمام أحمد والبزار والطبراني من حديث أنَس رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له))[6]، ولهذا كانت الأمانة صفةَ المرسلين والمقرَّبين وعباد الله الصالحين، قال تعالى عن نوح وهود وصالحٍ وغيرهم عليهم الصلاة والسلام: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:107، 108].
وكلَّما انتُقصت الأمانة نقصت شعبُ الإيمان لما روى مسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله أن الأمانةَ نزلت في جذر قلوبِ الرجال ـ أي: في وسطها ـ، ثم نزلَ القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنَّة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ((ينام الرجل النومةَ، فتُقبَض الأمانة من قلبه، فيظلّ أثرها مثل الوَكت، ثم ينام الرجل، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك، فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء))، ثم أخذَ حصاةً فدحرجها على رجله، ((فيصبح الناس يتبايَعون، لا يكاد أحدٌ يؤدِّي الأمانة، حتى يقال: إنَّ في بني فلان رجلا أمينا، وحتى يقال للرَّجل: ما أظرفَه ما أعقله، وما في قلبه مثقالُ حبة من خردل من إيمان))[7]، والظاهر أنَّ الرجل إذا تعمّد تضييعَ الأمانة بالتساهل في الفرائض وواجبات الدّين وبالخيانة في حقوق العباد يعاقَب بعد ذلك بقبض الأمانة من قلبه، وينزَّه الله تعالى أن يقبِض الأمانة من قلب أحدٍ من غير سبب من العبد، ومن غير استخفافٍ منه بواجبات الدين وحقوق العباد، كما قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5]. وآخرُ الحديث يدل على أن الأمانةَ هي الإيمان، وهي الدين وواجباته. فالتوحيد وهو عبادة الله وعدمُ إشراكِ أحدٍ معه في العبادة أمانةٌ، والصلاة أمانة، والزكاة أمانة، والصيام أمانة، والحج أمانة، وصلة الرحم أمانة، والأمرُ بالمعروف أمانة، والنهيُ عن المنكر أمانة، والمال أمانة فلا تستعن به على المعصية، والعين أمانة فلا تنظر بها إلى ما حرّم الله، واليدُ أمانة، والفرج أمانةٌ، والبطن أمانة فلا تأكل ما لا يحلّ لك، والأولادُ عندك أمانة فلا تُضيّع تربيتَهم الصالحة، والزوجات عند الرجال أمانة فلا تُضيّع حقوقهن، وحقوق الأزواج على النساء أمانةٌ، وحقوق العباد الماديَة والمعنوية أمانة فلا تُنتقَص.
وقد وعد الله على أداء الأمانات والقيامِ بحقوقها أعظمَ الثواب فقال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْورِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ [المؤمنون:8-11]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال: ((اكفلوا بستٍّ أكفل لكم بالجنة))، قلت: ما هن يا رسول الله؟ قال: ((الصلاة والزكاةُ والأمانة والفرجُ والبطن واللسان)) رواه الطبراني[8]، قال المنذري: "بإسناد لا بأس به"[9]، وفي الحديث: ((أوَّلُ ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخرُ ما تفقِدون من دينكم الصلاةُ))[10].
والتفريطُ في الأمانات والتضييعُ لواجباتِ الدين يورثُ الخللَ والفسادَ في أحوال الناس، ويُحيل الحياة مرّةَ المذاق، ويقطَع أواصرَ المجتمع، ويعرّض المصالح الخاصة والعامة للخطر والهدر، ويُفسد المفاهيمَ والموازين، ويؤذِن بخرابِ الكون، قال وقد سُئل: متى الساعة؟ قال: ((إذا ضُيِّعتِ الأمانة فانتظر الساعة))[11].
فاتقوا الله عبادَ الله، وحافظوا على الأماناتِ والواجبات، واحذروا المحرَّمات، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لأَمنَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادتِهِم قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَـئِكَ فِى جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ [المعارج:32-35].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين، وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه من الغفور الرحيم.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] أخرجه ابن جرير في تفسيره (22/54) من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وانظر: تفسير القرطبي (14/255)، وتفسير ابن كثير (3/523).
[2] أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (3/523).
[3] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (5266)، وقال المنذري في الترغيب (2/358): "رواه غيره مرفوعا، والموقوف أشبه"، وقال في موضع آخر (4/4): "ذكر عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب الزهد أنه سأل أباه عنه فقال: إسناده جيد"، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (1763، 2995).
[4] انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (14/254).
[5] جزء من حديث أخرجه الطبراني في الأوسط (2292) وفي الصغير (162) وقال: "لم يروه عن عبيد الله إلا مندل، ولا عنه إلا حسن، تفرد به الحسين بن الحكم"، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (302).
[6] أخرجه أحمد (3/135)، والطبراني في الأوسط (2606)، وهو أيضا عند أبي يعلى (2863)، وصححه ابن حبان (194)، وقال الهيثمي في المجمع (1/96): "فيه أبو هلال، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (3004).
[7] أخرجه مسلم في الإيمان (143)، وهو أيضا عند البخاري في الفتن (7086).
[8] أخرجه الطبراني في الأوسط (4925، 8599)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (2899).
[9] قال في الترغيب والترهيب (1/300): "رواه الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به، وله شواهد كثيرة".
[10] أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (216، 217)، والضياء في المختارة (1583) من حديث أنس رضي الله عنه. وأخرجه الطبراني في الكبير (7/295) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه وليس فيه ذكر الصلاة، قال الهيثمي في المجمع (4/145): "فيه المهلب بن العلاء ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات". وجاء موقوفا عن ابن مسعود رضي الله عنه، أخرجه ابن أبي شيبة (7/256، 260، 505)، وسعيد بن منصور (97)، والطبراني (9/141، 311، 353)، والبيهقي في الشعب (2027، 5273) وغيرهم، وصححه الحاكم (2538)، وقال الهيثمي في المجمع (7/330): "رجاله رجال الصحيح غير شداد بن معقل وهو ثقة". وانظر تخريج الحديث في السلسلة الصحيحة (1739).
[11] أخرجه البخاري في العلم (59) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
الخطبة الثانية
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، والعزّةِ التي لا تُضام، أحمد ربي وأشكره على آلائه العِظام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتقوا الله حقَّ تقواه، وأطيعوه بفعل ما أمَر واجتناب ما نهى عنه وزَجر، تفوزوا بجنته ورضاه.
قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء:58]، وهذه الآية المباركة عمّت جميعَ الأماناتِ.
ومن أعظم الأمانات الوظائفُ والأعمال والمناصبُ وحقوقها، فمن أدَّى ما يجب لله تعالى عليه فيها وحقَّق بها مصالحَ المسلمين التي أنيطَت بها والتي وُجدت لأجلها فقد نصح لنفسِه، وعمل خيراً لآخرته، ومن قصّرَ في واجباتِ وحقوق الوظائف والمناصب ولم يؤدِّ ما أُنيط بها من منافع العباد أو أخذَ بها رشوةً أو اختلس بها مالاً للمسلمين فقد غشّ نفسَه وقدّم لها زادا يرديها، وغدر بنفسه وظلمها، وفي صحيح مسلم أن رسول الله قال: ((إذا جمعَ الله الأوَّلين والآخرين يوم القيامة يُرفَع لكل غادر لواء ويقال: هذه غَدرة فلان بن فلان))[1].
ومن أعظَم الأمانات الودائعُ والحقوق التي أمنك الناس عليها، فقد روى أحمد والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (القتلُ في سبيل الله يكفّر الذنوبَ كلّها إلا الأمانة)، قال: (يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: أدِّ أمانتك، فيقول: أي ربِّ، كيف وقد ذهبتِ الدنيا؟! فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فيُنطلَق به إلى الهاوية، وتُمثّل له الأمانة كهيئتها يوم دُفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه حتى إذا ظنَّ أنه خارج اخْلولت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبدَ الآبدين)[2]، وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي قال: ((أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنك، ولا تخُن من خانك))[3]، وفي الحديث الآخر عن النبي : ((يُنصَب الصراط على متن جهنَّم، ويكون على جنبتيه ـ أي: في جانبيه ـ الأمانة والرحم))[4]، فمن ضيَّع الأمانةَ أو ضيَّع صلةَ الرحم فإنهما لا يتركانِه يجوز الصراط.
عباد الله، إن الله أمركم بالصلاة والسلام على مصطفاه من خلقه وخليله من عباده نبينا وسيدنا محمد فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد...
--------------------------------------------------------------------------------
[1] أخرجه مسلم في الجهاد (1735) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهو عند البخاري أيضا في (6177، 6178).
[2] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (5266)، وقال المنذري في الترغيب (2/358): "رواه غيره مرفوعا، والموقوف أشبه"، وقال في موضع آخر (4/4): "ذكر عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب الزهد أنه سأل أباه عنه فقال إسناده جيد"، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (1763، 2995).
[3] أخرجه أبو داود في البيوع (3535)، والترمذي في البيوع (1264)، والدارمي في البيوع (2597) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"، وصححه الحاكم (2296)، وهو مخرج في السلسلة الصحيحة (423).
[4] أخرج مسلم في (195) عن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: ((فيأتون محمدا ، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا، فيمر أولكم كالبرق...)).
وهذا رابط الصوتي للخطبة :
http://www.islamway.com/bindex.php?section=lessons&lesson_id=19035&scholar_id=216
ضيف خفيف
21-01-2003, 12:09 AM
الخطبة الاول :
عظمة هذه الامة
http://dr-tariq.com/audio/ommah.rm
الخطبة الثانية :
اليقين في اليوم الآخر (1)
http://dr-tariq.com/audio/yaqeen.rm
الخطبة الثالثة : ( الخطبة الاخيرة )
اليقين في اليوم الآخر (2)
http://dr-tariq.com/audio/yaqeen2.rm
vBulletin v3.8.7, Copyright ©2000-2013,Translation by mosds.com
diamond