بسم الله والحمد والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد......
نعلم ان كل ساحر دجّال ولكن لايلزم ان يكون كل دجّال ساحر ، فالدجّالون تقوم اعمالهم على الإحتيال والدجل بإدعاء معالجة الناس سواء بطريقة النصب او استخدام العزائم والتمائم وادّعاء علم الغيب او الاعشاب المركبة وغير المركبة دون ان يكون لتلك الامور المستخدمة اي تأثير يذكر ، بعكس ما يقوم به السحرة والمشعوذون حيث تتم اعمالهم السحرية بناءً على إبرام عقد مع الشياطين ومن ثم الكفر بالله عز وجل اولا ، ثم الإعتماد على حسابات وقواعد وأسس معقّدة تدرس بعناية فائقة ولا ينفذ تأثيرها إلا بإذن الله تعالى القدري الكوني لا الشرعي .
ومن قصص الدجّالين ماذكره ابن كثير -رحمه الله- في البداية والنهاية قال:
روى الخطيب البغدادي أن الحلاج بعث رجلا من خاصة أصحابه وأمره أن يذهب بين يديه إلى بلد من بلاد الجبل، وأن يظهر لهم العبادة والصلاح والزهد، فإذا رآهم قد أقبلوا عليه وأحبوه واعتقدوه أظهر لهم أنه قد عمي، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد تكسح، فإذا سعوا في مداواته، قال لهم: يا جماعة الخير، إنه لا ينفعني شيء مما تفعلون، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد رأى رسول الله في المنام وهو يقول له: إن شفاءك لا يكون إلا على يدي القطب، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني، وصفته كذا وكذا. وقال له الحلاج: إني سأقدم عليك في ذلك الوقت. فذهب ذلك الرجل إلى تلك البلاد فأقام بها يتعبد ويظهر الصلاح والتنسك ويقرأ القرآن. فأقام مدة على ذلك فاعتقدوه وأحبوه، ثم أظهر لهم أنه قد عمي فمكث حينا على ذلك، ثم أظهر لهم أنه قد زمن، فسعوا بمداواته بكل ممكن فلم ينتج فيه شيء، فقال لهم: يا جماعة الخير هذا الذي تفعلونه معي لا ينتج شيئا وأنا قد رأيت رسول الله في المنام وهو يقول لي: إن عافيتك وشفاءك إنما هو على يدي القطب، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني، وكانوا أولا يقودونه إلى المسجد ثم صاروا يحملونه ويكرمونه كان في الوقت الذي ذكر لهم، واتفق هو والحلاج عليه، أقبل الحلاج حتى دخل البلد مختفيا وعليه ثياب صوف بيض، فدخل المسجد ولزم سارية يتعبد فيه لا يلتفت إلى أحد، فعرفه الناس بالصفات التي وصف لهم ذلك العليل، فابتدروا إليه يسلمون عليه ويتمسحون به، ثم جاؤوا إلى ذلك الزمن المتعافى فأخبره بخبره، فقال: صفوه لي، فوصفوه له فقال: هذا الذي أخبرني عنه رسول الله في المناموأن شفائي على يديه، اذهبوا بي إليه. فحملوه حتى وضعوه بين يديه فكلمه فعرفه فقال: يا أبا عبد الله إني رأيت رسول الله في المنام. ثم ذكر له رؤياه، فرفع الحلاج يديه فدعا له ثم تفل من ريقه في كفيه ثم مسح بهما على عينيه ففتحهما كأن لم يكن بهما داء قط فأبصر، ثم أخذ من ريقه فمسح على رجليه فقام من ساعته فمشى كأنه لم يكن به شيء والناس حضور، وأمراء تلك البلاد وكبراؤهم عنده، فضج الناس ضجة عظيمة وكبروا الله وسبحوه وعظموا الحلاج تعظيما زائدا على ما أظهر لهم من
الباطل والزور. ثم أقام عندهم مدة يكرمونه ويعظمونه ويودون لو طلب منهم ما عساه أن يطلب من أموالهم. فلما أراد الخروج عنهم أرادوا أن يجمعوا له مالا كثيرا فقال: أما أنا فلا حاجة لي بالدنيا، وإنما وصلنا إلى ما وصلنا إليه بترك الدنيا، ولعل صاحبكم هذا يكون له إخوان وأصحاب من الأبدال الذين يجاهدون بثغر طرسوس، ويجحون ويتصدقون، محتاجين إلى ما يعينهم على ذلك. فقال ذلك الرجل المتزامن المتعافى: صدق الشيخ، قد رد الله علي بصري ومن الله علي بالعافية، لأجعلن بقية عمري
في الجهاد في سبيل الله، والحج إلى بيت الله مع إخواننا الأبدال والصالحين الذين نعرفهم، ثم حثهم على إعطائه من المال ما طابت به أنفسهم. ثم إن الحلاج خرج عنهم ومكث ذلك الرجل بين أظهرهم مدة إلى أن جمعوا له مالا كثيرا ألوفا من الذهب والفضة، فلما اجتمع له ما أراد ودعهم وخرج عنهم فذهب إلى الحلاج فاقتسما ذلك المال.
وروى عن بعضهم قال: كنت أسمع أن الحلاج له أحوال وكرامات فأحببت أن أختبره فجئت فسلمت عليه فقال لي: تشتهي علي الساعة شيئا؟ فقلت: أشتهي سمكا طريا. فدخل منزله فغاب ساعة ثم خرج علي ومعه سمكة تضطرب ورجلاه عليهما الطين فقال: دعوت الله فأمرني أن آتي البطائح لآتيك بهذه السمكة، فخضت الأهواز وهذا الطين منها. فقلت: إن شئت أدخلتني منزلك لأكشف أمرك ، فإن ظهرت على شيء وإلا آمنت بك. فقال: ادخل، فدخلت فأغلق علي الباب وجلس يراني. فدرت البيت فلم أجد فيه منفذا إلى غيره
فتحيرت في أمره ثم نظرت فإذا تأزير فكشفته فإذا من ورائه باب فدخلت فخرجت منه إلى بستان هائل، فيه من سائر الثمار الجديدة والعتيقة، قد أحسن إبقاءها. وإذا أشياء كثيرة معدودة للأكل، وإذا هناك بركة كبيرة فيها سمك كثير صغار وكبار، فدخلتها فأخرجت منها واحدة فنال رجلي من الطين مثل الذي نال رجليه، فجئت إلى الباب فقلت: افتح قد آمنت بك. فلما رآني على مثل حاله أسرع خلفي جريا يريد أن يقتلني. فضربته بالسمكة في وجهه وقلت: يا عدو الله أتعبتني في هذا اليوم. ولما خلصت منه لقيني بعد أيام فضاحكني وقال: لا تفش ما رأيت لأحد وإلا بعثت إليك من يقتلك على فراشك. قال: فعرفت أنه يفعل إن أفشيت عليه فلم أحدث به أحدا حتى صلب.
(البداية والنهاية)لإبن كثير .